04 إشارات مستقبلية في صالحنا
نكون غير واقعيين إذا ما استمرّ تفكيرنا يُقدِّم الإشارات السلبية على تلك الإيجابية الخاصة بمستقبلنا كشعوب ودول وحضارة. لقد تجلت في المدة الأخيرة أكثر من إشارة حاملة للمستقبل تؤكد أن هناك تحولا على الصعيد الدولي في صالحنا. كشفت هذه الإشاراتِ الحربُ الأخيرة الدائرة في أوكرانيا، وعلينا تثمينها وتفعيلها بكل الوسائل.
الإشارة الأولى تتعلق بقيمة الطاقة في العلاقات الدولية: كان يبدو في العقود الأخيرة أن الدول المنتِجة للمحروقات ذات المصدر الأحفوري لا يمكنها أن تلعب دورا يُذكَر في التوازنات الدولية مادامت القوى الكبرى محتكِرة لهذا المجال ومُتَّفِقة بشأن إدارته. ولكن بمجرد أن حدث صراعٌ حقيقي بينها وأصبحت الطاقة سلاحا استراتيجيا تستخدمه إحدى هذه الدول الكبرى أي روسيا، حتى تجلت قيمة باقي الدول، وازداد وزنها في التأثير مع هذا الطرف أو ذاك. يكفي أن بلدا مثل بلادنا، لا يُعَدُّ من المنتجين الكبار للمحروقات، أصبحت الكثير من الدول تتودد إليه بما في ذلك بعض الدول الكبرى لكي لا ينحاز مثلا للطرف الروسي على حساب الغرب. الأمر ذاته بالنسبة لدولة مثل السعودية، أكبر المصدِّرين للمحروقات في العالم، أو لقطر أو نيجيريا أو غيرها من الدول القادرة على تصدير الطاقة.
الإشارة الثانية تتعلق بقيمة المواد الأولية الإستراتيجية: شاع في الآونة الأخيرة، ومنذ الانفجار التكنولوجي الكبير في قطاع المعلوماتية خاصة، أن الغرب لم يعد بحاجة إلى المواد الأولية التي كانت تحتاجها الصناعات التقليدية لمرحلة ما بعد الثورة الصناعية. تم التقليل من قيمة المواد الخام إلى درجة العدم أحيانا. ساد الحديث أن صناعة الحاسوب أو الهاتف المحمول لم تعد تحتاج إلى مواد أولية طبيعية إلا بنسبة ضئيلة مقارنة بالسيارة أو الآلة الصناعية أو المصنع التقليدي، كل القيمة المضافة لمثل هذه المنتجات الجديدة إنما مصدرها المعرفة المُخزَّنة في عقول المهندسين. وبدا أن الأفق أصبح مسدودا بالنسبة لمالكي المواد الخام، حتى انفجرت الأزمة الأوكرانية وأصبحت روسيا تُهدِّد بعدم تصدير المعادن النفيسة للغرب، وفرنسا تسعى إلى ربط شراكات مع الجزائر مثلا في مجال الأتربة النادرة الثقيلة والخفيفة التي تحتوي على معادن نفيسة، وقس على ذلك باقي الصناعات المتقدّمة التي تقول تقارير علمية إنها في حاجة إلى 27 مادّة حسّاسة لا يمكنها الاستمرارُ من دونها، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: التيتان، وفاناديوم، والسيليسيوم والليثيوم…
الإشارة الثالثة تتعلق بدور الصين المتزايد: هذه الأخيرة تكون قد تقدّمت بفارق كبير عن الغرب في مجال التحكم في تكنولوجيا استخلاص المواد النادرة التي تحتاجها الصناعات المتقدمة والطاقات المتجددة غير الأحفورية. وتتحدث التقارير العلمية أنها تمتلك الآن ما يساوي 60 بالمائة من هذه المواد وتتحكم بشكل كبير في تكنولوجية استخلاصها، الأمر الذي يجعلها الأقدر على التعاون مع دول الجنوب المالكة للمواد الخام، والأكثر تأثيرا في قدرة الغرب على إيجاد بديل للمحروقات في هذه المرحلة الحساسة للانتقال الطاقوي.
الإشارة الرابعة وتتعلق بالطاقات البشرية العالية في الجنوب (عددا) والمتناقصة في الشمال: أبرزت الحرب في أوكرانيا أن التكنولوجيا والقدرة العسكرية العالية لا تحسم الحرب وحدها. ينبغي للعامل البشري أن يكون حاضرا ليحتلّ الأرض ويضمن البقاء فيها. ولا يمكن للمرتزقة وحدهم أن يسدُّوا هذه الثغرة ولا للخبراء أيضا. هذا الواقع يعطي لدول الجنوب أسبقية في هذا المجال، خاصة إذا ما تمكنت من تحويل العدد إلى نوع من خلال توفير الشروط المعنوية والمادية للحفاظ على ملايين الشباب من مُغريات الهجرة.
تدلّ هذه الإشارات الأربع بشكل واضح على أن لدينا مجالا واسعا للتأثير في المستقبل ولسنا مضطرين للبقاء إلى الأبد تحت رحمة الآخرين.