1000 مليار “بُدّدت” في ترميم عمارات مهترئة في زمن التقشّف!
لا يختلف اثنان على أن القرار الذي اتخذته ولاية العاصمة سنة 2014 بترميم أكثر من 17 ألف و617 بناية لقي استحسانا وسط سكان تلك العمارات، وكذا لدى العاصميين، وهذا لاسترجاع الوجه الحقيقي لعاصمة البلاد والذي فقدناه في العشرية السوداء، ولكن بالرغم من المبالغ المالية التي رصدت لذلك، يبقي السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل كان قرارا استعجاليا؟ أو بمفهوم آخر هل نجح مشروع ترميم العمارات الهشة أم لا؟
رصدت ولاية الجزائر مبلغ 10 ملايير دينار منها 5 ملايير مقدمة من وزارة السكن والعمران و5 ملايير دينار من خزينة الولاية لترميم البنايات الهشة الموزعة عبر 20 بلديات عاصمية، حيث كشفت الدراسات المرحلة الأولية حسب التقرير التي تحوز عليه “الشروق” عن وجود 17617 بناية موجهة لعملية الترميم، منها 6663 بناية مصنفة ضمن الخانة الحمراء، سيتم هدمها نهائيا وإعادة بنائها من جديد، فيما سيتم ترميم البنايات المصنفة في الخانة البرتقالية والخانة الأخرى للترميم.
وحسب نفس المعلومات، فإن عملية الترميم ككل خصصت لها مبلغ 1000 مليار سنتيم، وتخصيص حوالي 700 مليار سنتيم كمرحلة أولى تم اقتطاعها من المبلغ الكلي، حيث تبقى حوالي 300 مليار سنتيم، وتضم المرحلة الأولى بلدية الجزائر الوسطى، حيث سيتم ترميم أكثر من 1800 عمارة يعود عمرها الي 100 سنة، أي 22.859 مسكن تحتاج الي الترميم منها 30 بالمائة من العمارات تابعة للقطاع الخاص، حيث تم البدء في الترميم شهر فيفري 2014 بترميم 792 بناية أي “13.791 مسكن “من بين 1800 بناية.
”الشروق” تنقلت إلى وسط عاصمة البلاد، حيث وما إن تطأ قدماك أزقتها، تلاحظ الهياكل المعدنية التي يستعملها المرممون والتي تعود عليها العاصميون، حيث يتوزع المرممون في كل الاتجاهات لإعادة دهن الجدران أو لترميم البنايات التي يعود تاريخها الي القرنين الـ 19 و20 وكذا تعزيز سلالم العمارات وتصليح المصاعد وإصلاح الأسقف وكذا تخصيص عناية خاصة للشرفات المزينة بوحوش أسطورية وعرائس البحر وأشكال أخرى، وكان والي العاصمة، عبد القادر زوخ، في إحدى الخرجات، أمر بالمحافظة على الطابع المعماري والتاريخي لهاته البنايات، بعد فحصها من قبل خبراء، وكذا لجنة تم تنصيبها لمتابعة عمليات الترميم.
ومن بين البلديات التي شهدت أكبر عمليات الترميم هي الجزائر الوسطى، حيث أرتأت “الشروق” زيارة العمارات التي تم الانتهاء من أشغال الترميم فيها، كنا قد زرناها رفقة والي العاصمة عبد القادر زوخ في إحدى الخرجات، علي غرار عمارة 51 الواقعة بشارع العربي بن مهيدي، وكذا عمارات بشارع زيغود يوسف، وصولا الي شارع ديدوش مراد، وطريق الإخوة بليلي وتيليملي، أول عمارة زرناها هي عمارة رقم 51 الواقعة بشارع العربي بن مهيدي، حيث وما إن كشفنا عن هويتنا حتي بدأ السكان يملون علينا معاناتهم بعد ترميم بنايتهم، حيث أكدت إحدى الساكنات “المصعد لا يعمل بالرغم من تديشينه من طرف والي العاصمة”، وسقوط بعض الحجارة في السلالم، ناهيك عن تسرب مياه الأمطار إلى المنازل والشرفات فحدث ولا حرج، حيث أكد لنا محمد أنه أصبح يخاف الخروج إلى شرفة منزله خوفا من السقوط، أما السيدة مليكة.م صرحت لـ”الشروق” وقالت “ترميم البنايات ينطبق عليه مثل “المشبح من برا واش حوالك من داخل”، صحيحا أن واجهة البنايات تم تزينها وإعادة ترميمها والمحافظة على طابعها العمراني، ولكن لانزال نعاني مع تسرب مياه الإمطار وبعض الاهتزازات، وكذا خطر الانهيارات.
نفس المشاكل القديمة الجديدة التي يعاني منها سكان هاته البناية المرممة يعاني منها سكان البنايات التي زراتها الشروق، على غرار حي عبان رمضان وديدوش مراد وحسن عسلة وشارع حسيبة بن بوعلي، هاته الأخيرة العمارات المرممة متجلية للعيان أن الترميم لم ينجح، حيث وما إن تطأ قدماك العمارة حيث تلاحظ الانهيارات وكذا اهتزاز السلالم.
أما ببعض أحياء ديدوش مراد حيث سيتم ترميم 20 عمارة ومحمد الخامس حوالي 21 عمارة بالإضافة إلى عمارات سيدي أمحمد وحسين داي والحراش وبلدية باب الوادي، حيث ولغاية كتابة هاته الأسطر سجلت تأخرا في آجال التسليم، والتي حددت بـ 9 أشهر “أي مارس 2015”.
ومن بين أهم العراقيل التي تواجه ولاية الجزائر في ملف ترميم البنايات، هو رفض الخواص صيانة ممتلكاتهم، حيث يفضل بعض الخواص ترك عماراتهم في حالات مزرية، وتصنيفها في الخانة الحمراء وتهديمها من أجل استرجاع القطعة الأرضية بعد ترحيل السكان، حيث لم تتفطن مصالح زوخ منذ البدء في العملية لحل هذا المشكل، إذ كان عليها تبني استراتيجية مناسبة لإرغام أصحاب العمارات الخواص على التكفل بممتلكاتهم.
وحسب مصدر مسؤول من ولاية الجزائر، أكد أن “مشروع ترميم البنايات” يعاني عراقيل أخرى، من بينها كثرة المتدخلين في هذا المشروع، بالاضافة الي غياب الأطر القانونية التي تحدد الاجراءات الواجب اتباعها في هذا المجال، بالإضافة إلى غياب الشركات الجزائرية المختصة في مجال الترميم، بالإضافة إلي غياب اليد العاملة المؤهلة، حيث بسبب هاته الأخيرة، اضطر والي العاصمة الي توكيل مهمة الترميم الي متربصين في التكوين المهني، الذين لا يملكون الخبرة اللازمة في هذا المجال، وحسب نفس المصدر، فإن الولاية سارعت إلي إبرام صفقة مع شركة إيطالية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستعيد الشركة ترميم البنايات التي لم ينجح الترميم فيها، ووضع استراتيجية جديدة وكذا تخصيص ميزانية أخرى لإنقاذ مشروع الترميم في زمن التقشف!!؟