الرأي

109 مليار دولار فقط!

كلام الإنشاء، بمحسّناته البديعية وبخزعبلاته اللغوية، الذي يستمع إليه بعض الفضوليين في هذه الحملة الانتخابية، ما بين رئيس حزب، هو في الواقع، رجل دولة، يقسم بالله، بأن البلد لن يدخل حالة التقشف مهما كانت الظروف، وبين رئيس حزب آخر، هو في رتبة رجل دولة، يطمئِن بأنه لا مساس في برامج الدولة، ومشاريعها الكبرى، تبخّر برقم مرعب، قصف به محافظ البنك الجزائري، السيد محمد لوكال، كل الخطابات، وكل اللوحات الاشهارية التي تملأ شوارعنا، عندما أكد أن احتياطي الصرف من العملة الصعبة، لم يبق منه غير 109 مليار دولار فقط.

الرجل الذي تعامل منذ عقود مع الأرقام، صدم الجزائريين الذين هوّنوا من وطء الضربة، عندما وصف ما يحدث في الجزائر، بأشد صدمة تعرفها البلاد منذ الاستقلال، وهي أشد وجعا، من أزمة 1986 التي كادت أن تعصف بالبلاد، بل إنها عصفت بها.
الذين انتقدوا سياسة السلطة، التي صرفت في العشرية الماضية قرابة سبعمائة مليار دولار، من دون أن يحرّك هذا “الإسراف” القطار الاقتصادي، لا ندري ما سيقولونه عندما يعلمون بأن الجزائر بخّرت قرابة مئة مليار دولار من احتياطي الصرف من العملة الصعبة، في زمن الأزمة التي اندلعت في منتصف عام 2014 بعد انخفاض سعر النفط، وهي تعلم بأننا على مشارف الضياع، حتى صارت حالنا أشبه بالمقامِر، الذي كلما خسر فلسا واحدا، إلا وحاول تعويضه بخسارة فلس آخر.
نعلم جميعا بأن الساعين إلى مقاعد البرلمان، من الذين يقولون ما لا يفعلون، وأحيانا ما لا يفقهون، إنما من أجل مصالحهم الخاصة، ومصالح أحزابهم التي لم يقف فيها “رجل رشيد” واحد، ليقرع أجراس الخطر، ولا نقول يقدم الحل السحري لتفادي الكارثة، ونعلم بأن السلطة لا خيار لها من أجل إخفاء تشوّهات الوجه، إلا بمساحيق الاقتراع، ونعلم بأن الشعب الذي مازال يتلهف على “الكيوي والمايونيز” متورط في تحويل 200 مليار دولار إلى 100 مليار دولار، في ظرف سنتين ونصف فقط، ونعلم بأن الجميع سـ”يتعاون” لإيصال الرقم إلى الصفر وما دونه، والارتماء في “أحضان” صندوق النقد الدولي، لكن أن يبقى الجميع في حالة لامبالاة، فتلك هي الكارثة التي ستولّد كوارث أخرى، لن تتوقف عند النزيف المالي الذي طال ثروة الأجيال، وإنما ستشمل كل المجالات وأهمها المعنوية.
محافظ بنك الجزائر محمد لوكال، لم يقل شيئا، وإنما الأرقام المرعبة هي التي فرضت عليه القول، بل نطقت لوحدها، وشرّحت وشرحت أن ما كسبناه في عقد من الزمن، إنما كان بفضل غيث عائدات النفط فقط، من دون أي جهد من الحاكم أو المحكوم، وما سنضيعه سيكون بأكثر سرعة، مادام النزول دائما، أسرع من الصعود، وتبقى الدمعة التي صاحبت هذه الصدمة، التي قدمها الرجل أمام مجلس الأمة، أنه عندما كان يقدم هذه الأرقام المرعبة عن اقتراب موعد الإفلاس، سألوه: إن كان بالإمكان رفع المنحة السياحية من رقمها الحالي 130 أورو؟

مقالات ذات صلة