الرأي

 15 مليار إعلان احتيالي يوميا: أرباح ضخمة وأساليب مواجهة لا بد منها!

محمد سليم قلالة
  • 1309
  • 0

مع التزايد المستمر لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي بشكل خاص وانترنت بشكل عام، لم يعد يكفي الحكومات اليوم امتلاك سياسة إعلامية فعالة وموثوقة المصادر، بل باتت في حاجة إلى مخططات خاصة بالتضليل والاحتيال الإعلامي تُعطيها الأولوية القصوى ضمن هذه السياسة، ذلك أن المشكلة اليوم تتعلق بكون الأخبار والمعلومات والعناوين المضلِّلة أو المفبركة أو الكاذبة بأي شكل تم تقديمها (نصوص، فيديوهات، تعاليق…) باتت تملك قدرة كبيرة على الانتشار بين الناس والتأثير في الرأي العام أكثر من تلك الصادقة أو الموثوقة.

واستغلت منصات التواصل الاجتماعي هذا الواقع الناتج عن عوامل سيكولوجية مرتبطة بانحياز الدماغ البشري للسّلبية أكثر منه للإيجابية وللعاطفة أكثر منه للعقلانية، وعوامل نفسية أخري… لاستغلال انتباه الناس (اقتصاد الانتباه) عبر مزيد من التفاعل بهدف تحقيق مزيد من الربح المالي والسياسي وحتى الجيوسياسي الذي يخدم مصالح مالكي هذه المنصات. وتم تدريب خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على تشجيع هذا النوع من الأخبار والمعلومات والتعليقات المثيرة، وبتنا نعيش واقعا معقدا من ناحيتي: سهولة رواج التضليل وصعوبة مواجهته والإقناع بالحقيقة.

ومن هنا باتت مراجعة السياسات الإعلامية الوطنية ضرورة لا بد منها على مستوَيين:

– مستوى تقديم إعلام ذي مصداقية مؤسّس على معلومات موثوقة وأخبار صحيحة.

– مستوى الرفع من القدرة على مواجهة جميع أساليب التضليل والاحتيال والكذب!

وإذا كانت المهمة الأولى صعبة وتحتاج إلى احترافية في الأداء ومصادر معلومات ذات مصداقية، فإن الثانية أصعب، لأنها تتعلق بالتعامل مع طرفين: داخلي متعدد الأوجه، وخارجي متعدد ومتنوع الأساليب.

على الصعيد الداخلي يتعلق الأمر بمدى انتشار الروح النقدية لدى مستخدمي منصات التّواصل الاجتماعي، ومدى فاعلية التوعية بأنواع التضليل وأساليبه وكيفية مواجهته، وعلى الصعيد الخارجي يتعلق الأمر بالقدرة على تعزيز قدرات منصات التحقق الوطنية للعمل على مدار الساعة لكشف تحايل منصات التواصل الاجتماعي للجمهور، ذلك أن الأمر ما فتئ يزداد يوما بعد يوم وتُعاني منه أقوى الدول فما بالك بالدول النامية.

ولِتقديم مثال عن حجم وخطورة التحايل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، نورد ما جاء في أحد تقارير وكالة رويترز للأنباء يوم6  نوفمبر الماضي لـJeff Horwitz بعنوان: “ميتا تجني ثروة طائلة من سيلٍ من الإعلانات الاحتيالية، حسب وثائق”، حيث ذكرت الوكالة “استنادا إلى وثائق تم الكشف عنها في المدة الأخيرة أن شركة ميتا توقّعت أن يأتي 10% من إيراداتها في عام 2024 من إعلانات مرتبطة بعمليات احتيال وسلع محظورة” (أي نحو  16 مليار دولار)! كما أن “منصّاتها [كانت] تعرض للمستخدمين 15 مليار إعلان احتيالي يوميًا”! وأنها تِحقق مداخيل أكثر من خلال التعامل مع المحتالين الأكثر احتيالا (Scammiest Scammers)!!

وهذا يعني أننا بتنا اليوم نعيش في ظل اقتصاد الاحتيال وإعلام الاحتيال وسياسة الاحتيال، وعلى مستوى عالمي! مما يفسر لماذا أغلقت الصين مجالها الإعلامي كلية على الآخرين وأنتجت البدائل الوطنية للمنتجات الغربية (baidu-weChat- (Douyin)tiktok، weibo  وغيرها، ونجحت في ذلك. ولماذا قررت روسيا قبل أيام حظر تطبيق “واتساب” واستبداله بتطبيق Max المدعوم من شبكةVK  التي تعد البديل لفيسبوك بروسيا، وإنشاء تطبيقات وطنية أخرى مماثلة.. وكذلك الشأن بالنسبة لليابان والهند وكوريا الشمالية وإيران وتركيا التي جميعها استثمرت في هذا الجانب للرفع من قدراتها في مواجهة أساليب التضليل وخداع الرأي العام.

هذا الواقع من شأنه أن يحفز كل دولة تسعى لامتلاك سياسة إعلامية متكاملة للاستثمار في هذا المجال، وقد زادت مخاطر التضليل وانتقلت من الجانب التجاري إلى الجانب المتعلق بتاريخ الدول وقيمها وثقافتها وتماسكها الاجتماعي والسياسي.

لذلك فإن الاستهانة بالتحايل التجاري اليوم قد يكون مقدمة لتحايل أكبر تتم صناعته غدا، ولا أنسب من الاستباق في هذا المجال بتعزيز السياسة الإعلامية ببعديها الداخلي والخارجي لعلنا نستطيع مواجهة هذه التهديدات الكونية!!

مقالات ذات صلة