الرأي

18 فيفري.. صرخة ضد الردة

مصطفى صالحي
  • 14752
  • 7

ها هو يوم 18 فيفري يصبح يوما من الأيام الخالدة في ذاكرة الأمة، ولم يكن كذلك قبل 1989، كغيره من التواريخ المضيئة، مثل أول نوفمبر، 19 مارس، 5 جويلية، وغيرها، بل فرض نفسه لاحقا كبعد وحاجة وطنية ملحة، حظي بإجماع المجموعة الوطنية أمام مظاهر تراجع وهج ذاكرة الثورة وقيمها في الثمانينيات، وتسلل مستعمر الأمس إلى ضمير الأمة الجمعي للالتفاف على روح نوفمبر وضربها من الداخل.

الكثير منا وهو يحتفل بيوم 18 فيفري يجتهد في البحث عن خلفيات اختيار هذا التاريخ بالتحديد، في محاولة لتبرير اعتماده، منهم من ربطه بميلاد محمد بلوزداد، أول شهيد “غير رسمي”، ومن أسقطه على تاريخ تأسيس المنظمة السرية في 18 فيفري 1947 وطرح القضية الجزائرية أمام الأمم المتحدة في 18 فيفري 1957، وجريمة ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1985، وإقامة المناطق العازلة على الحدود الشرقية والغربية في 19 فيفري 1985، وبالتفجيرات النووية برڤان في 13 فيفري 1960، وغيرها من الأحداث الخالدة.

ورغم هذا البعد التاريخي، فإن خلفية فكرة “يوم الشهيد” جاءت كإدانة وصرخة قوية من فئة أبناء الشهداء، ورثة الثورة، وفئات واسعة من الأسرة الثورية والمجتمع، على مظاهر الردة التي سادت سنوات الثمانينيات، وبدأت تؤسس لفترة جديدة من القيم والعلاقات مع مستعمر الأمس، وأصبحت ممارساتها المفضوحة تجري على الملأ، خاصة وأنها تزامنت مع تكرار زيارات الرئيس الفرنسي، فرانسوا ميتران، وزير الداخلية الفرنسي والعدل أثناء فترة الاستعمار، والآمر بتنفيذ الإعدام بالمقصلة، إلى الجزائر، في نوفمبر 1981، ثم في أكتوبر1984، ثم في مارس 1989، تخللتها زيارة “تاريخية” للرئيس الأسبق، الراحل الشاذلي بن جديد في ديسمبر 1982، وهي أول زيارة لرئيس جزائري إلى فرنسا، حيث رفض الرئيس الراحل هواري، بومدين، زيارة الأليزيه، رغم زيارة الرئيس الفرنسي، جيسكار ديستان للجزائر في أفريل 1975، وقال “بيننا وبين فرنسا جبال من الجماجم وأنهار من الدماء” لا يمكن القفز عليها.

وتكرس تراجع قيم الوطنية والوفاء لتضحيات الشهداء وانطفاء وهج شعلة أول نوفمبر لدى فئة من النخبة السياسية “الحاكمة” والفاعلة أنذاك، في تنفيذ زيارات علنية للأقدام السوداء واليهود إلى الجزائر بشكل مفاجئ وعلني وأمام مرآى من الجميع، وخاصة في ولايات الغرب الجزائري، ما أثار حفيظة ما تبقى من ورثة الثورة عامة والشهداء خاصة. 

وبلغ تبجح نشطاء هذا التراجع في التعامل مع قيم الثورة والوفاء لدماء وتضحيات الشهداء حد التفكير في المساس بأقدس رمز للثورة والسيادة وارتباط الجزائر بماضيها، النشيد الوطني، حين فكر البعض في إلغاء الجزء المتعلق بفرنسا، في سياق حديثهم عن التطبيع والمصالحة التاريخية، غير أن ثلة من الأوفياء للشهداء ونوفمبر تفطنوا للأمر وأوقفوا المؤامرة.

أمام هذا التراجع غير المبرر والتنازل المجاني لصالح فرنسا الخاضعة للفكر الاستعماري كعقيدة سياسية عميقة تحكم النخبة هناك، وصمت وجهاء القوم عندنا من الساسة والمسؤولين في مختلف المواقع، هب أبناء الشهداء لصد هذه الردة “التاريخية”، والتأموا في مؤتمر طارئ بنادي الصنوبر في 18 فيفري 1989، حيث أجمعوا على اعتماد هذا اليوم كيوم وطني للشهيد قبل اعتماد دستور1989، إعلانا منهم عن دخول ورثة الشهداء المعترك السياسي كقوة وطنية وثورية احتياطية حان زمانها بعد ما بلغوا من العمر مرحلة من النضج والوعي، مؤكدين استعدادهم لحمل المشعل والرسالة، وكذا المسؤولية، ومن خلالها مقارعة مظاهر ومواقع الردة التي زكمت رائحتها النتنة الأنوف.

ولعله ذات السياق الذي عبر عنه رئيس الجمهورية أمس بمناسبة يوم الشهيد حين قال إن اختيار 18 فيفري يوما وطنيا للشهيد منذ 1989 “برهان على إرادة الوفاء والاستمرار على نهج الشهداء”، كما أنه “مصادف لمحطات تاريخية مفصلية ولأحداث مؤلمة تعكس حجم ما عانته الأمة من ويلات القتل والتشريد والفتك بالمستضعفين وغير ذلك كثير من صنوف القهر والدمار”.

مقالات ذات صلة