-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

20 أوت… كيف نحافظ على ترسيخ الوطنية لجيل الغد؟

عومر بن عودة
  • 27
  • 0
20 أوت… كيف نحافظ على ترسيخ الوطنية لجيل الغد؟

في كل سنة تعود إلينا ذكرى 20 أوت محمّلة بالكثير من الدلالات التاريخية والوطنية ، فهي ليست مجرد محطة في رزنامة المناسبات الوطنية، وإنما ذكرى مزدوجة تستحضر حدثين مفصليين في تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية ، هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، ومؤتمر الصومام في 20 أوت 1956.
وبين الحدثين عام واحد فقط، غير أن المسافة الزمنية القصيرة بينهما تختزل الكثير من معاني الثورة الجزائرية، التضحية، الشجاعة، التنظيم، وحدة الصف، والقدرة على تحويل الإرادة الشعبية إلى فعل تاريخي غيّر مسار القضية الجزائرية.
فقد شكّلت هجومات الشمال القسنطيني محطة مفصلية في مسار الثورة التحريرية ، إذ أظهرت قدرة الثوار على توسيع نطاق العمل الثوري وإرباك الاستعمار ، كما أكدت عمق التلاحم بين الشعب والثورة ، وبعد عام واحد جاء مؤتمر الصومام ليعكس حاجة الثورة إلى مزيد من التنظيم والهيكلة وتوحيد الجهودز، بما يسمح بمواصلة الكفاح التحرري بكفاءة أكبر.
ومن هنا، فإن إحياء ذكرى 20 أوت ينبغي ألا يتوقف عند استحضار الأحداث التاريخية فقط ، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى طرح سؤال أكثر أهمية : كيف نحول ذاكرة الثورة إلى وعي وطني راسخ لدى جيل الغد؟
إن الوطنية لا تُبنى في يوم واحد، ولا تُرسّخ بالخطب والمراسم وحدها، وإنما هي عملية تربوية وثقافية ومجتمعية مستمرة، فأن يعرف التلميذ تاريخ وطنه أمر مهم ، لكن الأهم أن يفهم معنى تلك التضحيات ، وأن يدرك أن الاستقلال الذي يعيشه اليوم لم يكن أمرا مجانيا ، وإنما كان ثمرة تضحيات جسام قدمها الشهداء والمجاهدون وأبناء الشعب الجزائري.
ولهذا، فإن أفضل وفاء للشهداء ليس فقط أن نضع أكاليل الزهور وننظم الاحتفالات، وإنما أن ننجح في تربية مواطن يقدر وطنه، ويحترم مؤسساته، ويحافظ على ممتلكاته، ويجتهد في دراسته، ويتقن عمله، ويحترم القانون، ويؤمن بأن مستقبل الجزائر مسؤولية جماعية.
لقد حرر جيل الثورة الأرض ، أما جيل اليوم فعليه أن يواصل معركة البناء ، بالعلم والعمل والمعرفة والانضباط والابتكار.
وفي هذا الإطار تبرز مسؤولية الدولة في حماية الذاكرة الوطنية وترسيخ ثوابت الأمة وتعزيز مقومات الشخصية الجزائرية ، ويأتي برنامج رئيس الجمهورية هنا من خلال الحرص على المحافظة على ثوابت الوطن وتعزيز عناصر هويته الوطنية ، وترسيخ الذاكرة التاريخية باعتبارها جزءا أساسيا من بناء الوعي الوطني وحماية الشخصية الجزائرية.
فالجزائر التي خرجت من رحم الثورة التحريرية ليست بلدا بلا ذاكرة ، ولا شعبا بلا جذور؛ وإنما هي أمة لها تاريخها وتضحياتها وثوابتها ، ومن ثم فإن حماية هذه الذاكرة وتعريف الأجيال بها تمثل مسؤولية وطنية، وعنصرا من عناصر الحفاظ على تماسك المجتمع واستمرارية الدولة.
إن ترسيخ الوطنية لا يعني الانغلاق على الذات ، ولا رفض الانفتاح على العالم ، وإنما يعني أن يدخل الجزائري إلى العالم وهو واع بذاته، معتز بتاريخه، واثق في هويته ، وقادر على التفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى دون أن يفقد شخصيته الوطنية.
ولوزارة المجاهدين وذوي الحقوق مسؤولية دور كبير في هذا المجال ، من خلال جهودها في صيانة الذاكرة الوطنية ، وإحياء المناسبات التاريخية وتكريم المجاهدين وذوي الحقوق ، والحفاظ على الشهادات والوثائق المرتبطة بتاريخ المقاومة والثورة التحريرية.
ومن المهم أن تتواصل هذه الجهود وتتطور بما يجعل الذاكرة الوطنية أكثر قربا من الأجيال الجديدة ، من خلال توسيع استثمار الوسائط الرقمية ، وإنتاج محتويات تاريخية جذابة ، وتشجيع الزيارات المدرسية إلى المعالم والمتاحف التاريخية ، وتوثيق شهادات المجاهدين ، حتى يشعر الشباب بأن تاريخ وطنهم ليس مادة بعيدة عنهم ، وإنما جزء من هويتهم ووجدانهم.
كما أن وزارة التربية الوطنية تؤدي دورا بالغ الأهمية ، باعتبار المدرسة الجزائرية الفضاء الأوسع الذي تتشكل فيه شخصية الناشئة ووعيهم وانتماؤهم ،
ومن هنا، فإن ترسيخ الوطنية في المدرسة لا ينبغي أن يكون مرتبطا بمادة التاريخ وحدها، بل ينبغي أن يكون حاضراً في مختلف الأنشطة والممارسات التربوية.
فالمدرسة التي تعلم التلميذ تاريخ وطنه وتربيه على احترام العلم والنشيد الوطني ، وتحفزه على المحافظة على مؤسسته ومحيطه وتغرس فيه قيم التضامن والانضباط والمسؤولية ، هي مدرسة تساهم فعليا في بناء المواطن الصالح.
ومن المفيد أن تتحول المناسبات الوطنية إلى فرص للتعلم والبحث والنقاش والإبداع ، من خلال تنظيم مسابقات في البحث التاريخي ، ومعارض للوثائق والصور ، وندوات حول شخصيات الثورة ومشاريع رقمية حول التاريخ المحلي لكل منطقة، واستضافة المجاهدين والمؤرخين والأساتذة ، حتى يشعر التلميذ بأن تاريخ وطنه ليس مجرد تواريخ وأسماء يحفظها لاجتياز الامتحان ، وإنما تجربة وطنية وإنسانية يفهم من خلالها معنى الحرية والتضحية والانتماء.
ولا تقل مسؤولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أهمية عن ذلك، فالجامعة مطالبة بتحويل الذاكرة الوطنية من مجرد موضوع للاحتفال إلى مجال للبحث العلمي الرصين، فالجامعات قادرة على الإسهام في جمع الوثائق، ودراسة الأرشيف وتوثيق شهادات المجاهدين، وتشجيع طلبة الدراسات العليا على تناول تاريخ الجزائر بمناهج علمية حديثة، وتنظيم الندوات والملتقيات العلمية حول مختلف مراحل المقاومة والثورة التحريرية.
كما يمكن للجامعة أن تؤدي دورا أكبر في رقمنة الأرشيف التاريخي وإتاحته للباحثين ، بما يسمح بالانتقال من مرحلة حفظ الذاكرة إلى مرحلة إنتاج المعرفة حولها ، وهو ما يضمن أن تبقى دراسة التاريخ قائمة على البحث والتوثيق والتحليل العلمي.
ومن الضروري ونحن نتحدث عن ترسيخ الوطنية ، أن نؤكد أن الوطنية الجزائرية لا تقوم على إلغاء التنوع، وإنما على الوحدة في إطار التنوع ، فالجزائر بلد غني بتاريخه ومناطقه وموروثه الثقافي ، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة عندما يجتمع حول المرجعية الوطنية الجامعة.
إن المحافظة على ثوابت الوطن تعني المحافظة على عناصر الشخصية الجزائرية وفي مقدمتها الإسلام ، والعربية والأمازيغية باعتبارهما لغتين وطنيتين ورسميتين ، والذاكرة التاريخية ، والسيادة الوطنية ووحدة الشعب والتراب ، مع الانفتاح في الوقت نفسه على اللغات والثقافات العالمية والاستفادة من العلوم والمعارف الحديثة.
فالانفتاح الحقيقي لا يعني الذوبان كما أن الاعتزاز بالهوية لا يعني الانغلاق ، وإنما المطلوب هو بناء شخصية وطنية واثقة من ذاتها قادرة على الاستفادة من تجارب الآخرين دون التخلي عن خصوصيتها.
لقد كان الاستعمار بالأمس يمثل التحدي الأكبر أمام الشعب الجزائري ، فواجهه الجزائريون بالثورة والتضحية والوحدة ، أما اليوم فإن التحديات مختلفة وتتمثل في ضعف الوعي وانتشار المعلومات المضللة ، والتحديات الرقمية ، وضعف ثقافة العمل، وغيرها من التحديات التي تتطلب نوعا جديدا من النضال الوطني.
ومن هنا، فإن معركة جيل الغد هي معركة العلم والمعرفة والابتكار ، فالوطنية في القرن الحادي والعشرين لا تقتصر على حب الأرض، وإنما تشمل أيضا القدرة على تطويرها ، الوطنية أن يكون الطبيب ناجحا ، والمهندس مبدعا ، والأستاذ مخلصا ، والباحث منتجا ، والعامل متقنا ، والفلاح محافظا على أرضه. ، والإعلامي مسؤولا في نقل المعلومة ، والشاب واعيا في استخدام التكنولوجيا وقادرا على توظيفها لخدمة وطنه.
ولا يمكن أن تنجح هذه المهمة دون الأسرة والإعلام والمجتمع المدني ، فالأسرة هي أول فضاء يتشكل فيه وعي الطفل ، وهي مطالبة بأن تنقل إليه احترام الوطن ورموزه وتاريخه ، وأن تحدثه عن تضحيات الأجداد بعيداًد عن التزييف أو المبالغة.
أما الإعلام فعليه أن يجعل التاريخ أكثر قربا من الشباب وأن يقدم البرامج الوثائقية والحوارية بطريقة حديثة ، وأن يستثمر وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعرفة التاريخية ومواجهة المعلومات المغلوطة ومحاولات تشويه الذاكرة الوطنية.
كما أن المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والشبابية قادرة على تحويل المناسبات الوطنية إلى فضاءات حقيقية للتثقيف والتفاعل ، بما يجعل الذاكرة الوطنية جزءا من الحياة العامة وليس مجرد مناسبة عابرة.
إن أعظم درس يمكن استخلاصه من هجومات الشمال القسنطيني ومؤتمر الصومام هو أن القضايا الكبرى لا تنتصر بالعاطفة وحدها، وإنما تحتاج إلى إرادة وتنظيم وتخطيط وتضحية ووحدة.
وإذا كان جيل الثورة قد أدرك أن تحرير الجزائر يحتاج إلى تظافر جهود أبنائها ، فإن بناء الجزائر القوية والمتقدمة والمنتصرة يحتاج بدوره إلى تظافر جهود الدولة والمدرسة والجامعة والأسرة والإعلام والمجتمع.
لقد قدم الشهداء حياتهم من أجل أن تعيش الجزائر حرة، وعلينا اليوم أن نعمل حتى تكون هذه الجزائر أكثر قوة وتقدما واستقرارا، وأن يكون أبناؤها أكثر وعيا بتاريخها وثقة في مستقبلها.
إن تخليد 20 أوت الحقيقي يبدأ من الذاكرة لكنه لا ينتهي عندها، جيل الأمس حرر الوطن وجيل اليوم يبني الوطن، وجيل الغد مطالب بحماية الوطن وتطويره.
وهنا تكمن مسؤوليتنا جميعاً، أن نحول الوطنية من مناسبة موسمية إلى ثقافة يومية ، ومن شعار إلى سلوك ، ومن ذاكرة إلى مشروع، ومن ماضٍ نفتخر به إلى مستقبل نصنعه.
فإذا نجحنا في أن نجعل أبناءنا يعرفون تاريخ الجزائر ويفهمون تضحيات شهدائها ومجاهديها ويعتزون بثوابتها، ويحترمون مؤسساتها ويؤمنون بالعلم والعمل، فإننا نكون قد قدمنا أفضل وفاء لمن صنعوا فجر الاستقلال، وأفضل هدية للجزائر في ذكرى 20 أوت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!