2014: الفساد الرياضي.. بلا تهويل ولا تهوين
إذا كانت سنة 2014 حبلى بالنتائج الإيجابية لاسيما على المستوى الكروي، إلاّ أن هذا السجّل الأبيض لطّخته بعض البقع الرمادية التي لها صلة بالغش وغياب النزاهة، والفساد الرياضي بصفة عامة.
كانت الحركة “الإستعراضية” التي أقدم عليها الحكم الدولي المساعد سابقا محمود منير بيطام، في مباراة لبطولة القسم الثاني بين أهلي البرج والضيف وداد تلمسان بحر سبتمبر الماضي، حدثا رياضيا وطنيا غير مسبوق فجّر “طابو” لطالما تكتمت عنه الناس.
وبصرف النظر عن صدق مزاعم بيطام من عدمه أو براءة الأطراف الذين استهدفهم (رابطة الكرة المحترفة، لجنة التحكيم) من غيرها، إلا أن الحادثة تكون قد أظهرت جزءا من الجبل الجليدي العائم في بحر الفساد.
وتأتي حادثة ملعب “20 أوت” بالبرج، بعد “القنبلة” التي فجّرها فريد نزار رئيس شباب باتنة، والتي فحواها مزاعم لجوء الرئيس السابق لشبيبة الساورة محمد زرواطي إلى الطرق الملتوية والرشوة تحديدا من أجل ترتيب نتيجة مباراة فريقه والمضيف الأورواسي (الكاب).
التسيير الرديئ بيئة خصبة لتفريخ الفساد
ولا يقتصر الفساد على الغش في المقابلات، فقد عرفت الملاعب الجزائرية حوادث تراجيدية على غرار انهيار جزء من مدرجات ميدان “5 جويلية” في المباراة الجوارية بين اتحاد العاصمة والمولودية (العميد)، والأمر ذاته – إلى حد ما – في ملعب “إسماعيل مخلوف” بالأربعاء، وإضرام النيرام في مدرجات ملعب “1 نوفمبر” بالحراش، ومخزن ميدان “19 فيفري” بورقلة، واهتراء البساط الطبيعي لعديد المنشآت الكروية، وتجاوز مرافق بصدد التشييد للآجال المضبوطة رغم استهلاكها لأغلفة مالية ضخمة، و…
وهنا تطرح الأسئلة بقوة عن نوعية الإطارات التي تسند إليها إدارة المنشآت الرياضية، والملابسات التي تحيط بإبرام الصفقات قبيل الشروع في تشييد الملاعب والقاعات الرياضيين، ومآل الأموال المرصودة للتجهيز والتسيير والصيانة.
ملتقيات فنادق “5 نجوم” لا تحلّ المشاكل
مثلما يتم التصدّي لآفة العنف في الملاعب، يسير المسؤلون على نفس الخطى في معالجة سرطان الفساد، والنتيجة تكون معروفة مسبّقا “دار لقمان على حالها” أو “تمرّ الأيام وتتشابه”.
تعقد الملتقيات والمؤتمرات والندوات والجلسات والأيام الدراسية وأبواب مفتوحة على كذا وكذا و…وتهيّأ أفخم الفنادق وتوجّه الدعوة لعديد الإطارات والشخصيات على اختلاف تخصصاتها ونشاطاتها محليا وأجنبيا، وترصد أغلفة مالية هائلة لتمويل هذه اللقاءات. ثم يخرج المجتمعون ببيانات تشبه تلك التي تصدرها جامعة الدول العربية، الهيئة السياسية الإقليمية التي تنفخ في كير الفتن ولا تطفئها.
التصدّي للفساد الرياضي أشبه بلعبة القفز بالزانة يحمل المتسابق عصاه ويتجه مباشرة نحو الهدف بدون الإلتفات يمينا أو شمالا أو خلفه. بمعنى آخر لابد من إجراءات جادة وجريئة وعملية، بعيدا عن ما تلوكه ألسنة الأكاديميين وأهل الإختصاص المزعومين في فنادق “5نجوم”.
إغراء يسيل اللّعاب
طرأت على المجال الرياضي الجزائري – والكروي تحديدا – بعض التغييرات لم يعهدها سابقا، على غرار تواجد الشركات الراعية وتمويلها للأندية والمسابقات، وحقوق البث التلفزيوني.
ولم يأت هذا “الوافد الجديد” صدفة، بل أمتله معطيات خارجية فحواها بسط المذهب اللبيرالي سطوته على كافة مناحي الحياة، وغزوه للحقل الرياضي الذي مايزال أشبه بالجزيرة العذراء التي لم تطأها أقدام الرأسماليين.
ومعلوم أن “السبونسور” والنقل التلفزيوني يضخّان موارد مالية ضخمة جدا تسيل اللّعاب، تستفيد منها الإتحادات أو الرابطات المسيّرة للنشاط الرياضي والأندية المتنافسة.
ولعلّ المتابع للشأن الكروي المحلي، يتذكر تلك “الحرب الضروس” التي شنّها بعض رؤساء الأندية لتقلّد منصب رئيس رابطة الكرة المحترفة. وبغضّ النظر عن أهليتهم أو جدارة الرئيس الحالي محفوظ قرباج، إلاّ أن ما حدث يكشف عن المزايا العظيمة التي يجنيها من يحوز هذا المنصب، في ظل ما تضخه الشركات الراعية والقنوات التلفزيونية من “المنّ والسلوى”. وهنا يتعيّن على السلطات المعنية تكثيف إجراءات الرقابة كنسا لغبار الفساد أو إطفاء لفتيله قبل أن تستفحل الآفة.
الفساد لا دين له
بعيدا عن التهويل المحلي، فإن الفساد تحوّل إلى معظلة عالمية لاسيما في الوسط الكروي. والحوادث بهذا الشأن كثيرة جدا.
زمان كنّا نسمع بمكاتب الرهان غير الشرعي بالجنوب الشرقي الآسيوي (سنغافورة، تايلاندا، الصين، هونغ كونغ…)، والتي لها صلة بترتيب نتائج المقابلات. ولكن الفساد في هذه الأيام استشرى بطريقة مذهلة لا تخفى حتى على الأعمى: منصب رئيس الفيفا، استقالة رجل القانون الأمريكي مايكل غارسيا المكلّف بالتحرّي في شبهات الفساد حول منح روسيا وقطر حق تنظيم مونديالي 2018 و2022، رمي بعض إطارات الفيفا للمنشفة أو تنحيتهم للسبب ذاته (القطري محمد بن همام، جاك وارنر من ترينداد وتوباغو، الأمريكي تشاك بلازر…)، احتجاجات الشعب البرازيلي على تنظيم مونديال صيف 2014 واستثمار المسابقة الكروية من قبل السياسيين في الإنتخابات الرئاسية التي أجريت بهذا البلد اللاتيني 3 أشهر بعد تظاهرة كأس العالم، وحتى الوزير المغربي للشباب الرياضة محمد أوزين ما كان ليهان في مونديال الأندية 2014 بتلك الطريقة البئيسة، لو لم يلوّح بسيف الحجّاج لمحاربة الفساد المستشري في دواليب ودواوين ومؤسسات المملكة، والتي يسعى “المخزن” للتستر عنها.
وبدون لف ودوران، لا يمكن وصف تنامي “وحش” الفساد في كافة أرجاء المعمورة، سوى بأنه ثمرة فاسدة أو “إبن غير شرعي” للثقافة الرأسمالية الإمبريالية، التي تحمل في جوفها كل الموبقات من نهب واستغلال فاحش واستغباء واحتكار ومضاربات وتنافس غير شريف وطرق ملتوية.
وقبل إسدال ستار هذا التقرير، بقي تذكير من يهمه الأمر، أن عزف النغمة القديمة جدا “هات الدليل واترك العدالة تأخذ مجراها”، تزعج طبلة أذن جيل ثورة الإنفجار التكنولوجي العظيم، وفتيان “الفيسبوك” والمنتديات الإلكترونية. وهي معطيات مهمة ينبغي مراعاتها جيدا حين السقوط في مطب الفساد أو التصدّي له.