بعد أن توّقفت المصلحة ببيار ماري كوري منذ أوت الماضي
28 ألف مريض بالسرطان ينتظر العلاج الإشعاعي والوزارة تقف عاجزة أمام مضاربي “المورفين”
“من جرّب الكي لا ينسى مواجعه، ومن رأى السّم لا يشقى كمن شربا”، إنه أقل ما يمكن قوله، ونحن نرصد واقع مرضى السرطان في الجزائر، فرحلة الصبر والمعاناة معا لا تنتهي بهم في أغلب الأحيان إلا إلى اللّحد، في الوقت الذي يتعافى فيه نظراؤهم في بقية أنحاء العالم، بفضل التطوّر الطبي والعلمي، والأهم من ذلك، بفضل المتابعة الصحية للمريض حتى وهو قاب قوسين أو أدنى من أجله، في حين يتجرّع المريض الأمرّين عند اكتشاف الإصابة، ليحظى بموعد جراحي في مركز شاخ مؤطروه، وتجاوز الزمن العتاد الموجود فيه.
-
يعيش الآلاف من مرضى السرطان في الجزائر حالة مأساوية، تتقاذفهم فيها الآلام والمرافق الصحية، وتحوّل حياتهم إلى ملعب طرفاه الإصابة والأجل، يلهثون فيه منذ ولوجهم إياه، للظفر بمواعيد من الجراحة أو العلاج الكيميائي، وصولا إلى العلاج الإشعاعي، والمحظوظ فقط من يفتكّها قبل أن يفتك الموت موعده من رزنامة الحياة.
-
-
الوساطة وفقط للظفر بموعد جراحي!
-
لن تفلح في الظفر بموعد للجراحة في مركز معالجة مرضى السرطان “بيار ماري كيري”، إلا إذا أغدقت عليك الأقدار بوساطة كبيرة، وكنت تعرف النافذين في البلد، وإلا فسننتظر تحديد موعد لن يكون أقرب من شهر. هذا ما لمسناه لدى المنتظرين في المركز خلال زيارتنا له، حيث يتجمع العشرات من المرضى من كل الولايات، من بينهم السيد”ح” أتى من ولاية عنابة لاستجداء البروفيسور المسؤول على قسم الجراح ليقرّب موعد جراحة زوجته التي أثبتت الكشوف الطبية أنها مصابة بسرطان الثدي، ويجب أن تقوم بعملية لاستئصال جزء منه في القريب العاجل.
-
وغير بعيد عنه وقبل أن نسألها وجدنا السيدة “ز” تبكي ابنتها التي تحوّلت بعد عملية جراحية إلى فتاة تعاني من الإعاقة النصفية في وجهها، وهي التي لم تتجاوز بعد 15 ربيعا، وتنتظر أن تستفيد ابنتها من العلاج الكيميائي بعد أن استأصل ورم من رأسها في شهر رمضان الفارط
-
ولم يستطع الشيخ “ب” أن يحظى بعملية جراحية إلا بعد أن تدخل صديق ابنه من الرئاسة، وهو الذي مكث في المركز قرابة شهر، في كل مرة يترجى فيها أهله القادمون من ولاية المسيلة البروفيسور المسؤول، إلا أنه يترّفع حتى عن الحديث إليهم، وما إن تمت مكالمة من قصر المرادية حتى فرح الشيخ بخبر إجراء عملية له على الأمعاء، ومن حسن حظه أن المرض الخبيث لم يتمكن من جميع الأمعاء، ولعلّهم جميعا أحسن حظا من والد شاب بقاريدي، اتصل به المركز قبل أشهر لتحديد موعد جراحته، فردّ عليهم الوالد “عليكم الاتصال به أين ينام قرير العين”، وهو في الثامنة عشرة ربيعا.
-
-
28 ألف مصاب ينتظرون العلاج بالأشعة منذ السنة الفارطة
-
تسجل الجزائر أكثر من 9 آلاف حالة سرطان ثدي جديدة كل سنة، تموت فيها عشر نساء يوميا، إلى جانب 3 آلاف حالة جديدة بسرطان عنق الرحم، تموت من جرّائه أربع نساء يوميا، أرقام تخيف الجزائريين وتقلق المختصين في الميدان، لأن نفس الأدوية المستخدمة في الخارج تستعمل أيضا في الجزائر، إلا أن مراحل العلاج لا تتم على أكمل وجه. فالتشخيص المبكر للمرض يتم كما يجب، إلا أن تعطل العلاج بالأشعة بعد العلاج الكيميائي، هو الذي يعيد المرضى إلى نقطة الصفر في أحسن الأحوال، إن لم ينتشر المرض في مناطق أخرى من الجسم، حسبما أفادت به السيدة حميدة كتاب، رئيسة جمعية “الأمل” لمرضى السرطان.
-
وتروي محدثتنا كيف أن حالة إحدى المريضات تفاقمت إلى الضعف في ظرف ثمانية أشهر “لقد أجرت عملية استئصال الثدي، وقامت بالعلاج الكيميائي، وبقيت تنتظر العلاج بالأشعة، ولما تضاعفت أوجاعها أجريت لها فحوصات جديدة، فتبيّن أنها أصيبت بالسرطان في كبدها، رأسها وكذا رحمها، وتوفيت بعد آلام شهر ونصف”. وحسب الأرقام الرسمية فإن 28 ألف مريض ينتظر العلاج بالأشعة منذ سنة تقريبا، رقم مخيف دفع بنا لزيارة مصلحة العلاج بالأشعة بمركز مكافحة السرطان، لنتفاجأ بتعليمة على صدر باب الاستقبال، مفادها “المصلحة لا تستقبل حالات العلاج بالأشعة، نظرا للضغط على طاقتها الاستيعابية”، والتعليمة مؤرخة في شهر أوت من السنة الماضية، وقد أفادت مصادر من داخل المركز أن البروفيسور المسؤول على المصلحة بعث بمراسلة داخلية إلى الوزارة الوصية يشرح فيها الوضع، إلا أن الوزارة لم تتحرك.
-
-
علاج السموم..انتظار الموت بآلام يعجز عن تسكينها “المورفين”
-
يتمثل العلاج الكيميائي لمرضى السرطان في دهن جميع مناطق جسم المصاب بمواد كيماوية، أقل ما يقال عنها إنها “سموم” تستخدم لمحاربة الفيروس الذي يستشري في جسم المصاب، أو في عضو منه.
-
ويستسلم المريض في هذه الحالة إلى تلك الأوجاع التي تخلّفها هذه المواد على جسده، ويصبح غير قادر على الأكل ولا حتى الشرب، إذ يستسلم الجسد بأكمله لذلك الألم، طلبا للعافية المرجوّة من ورائه، حتى وإن كانت من بعده تبعات، كالإعياء، تزايد نبضات القلب، آلام في الأمعاء وسقوط الشعر. إلا أن طبيعة العلاج في بلادنا تحيل الأغلبية منهم على انتظار العلاج الإشعاعي، ولا توفر مراكزا لنهاية الحياة، لمن فشلت الأشعة في إنقاذهم من بين فكّي “الخبيث”، وهنا يبدأ دور المسكّنات، وأشهرها على الإطلاق دواء “المورفين”، الذي لا توفره في الجزائر بأكملها إلا صيدليتين فقط، كلاهما بالعاصمة.
-
ويبقى المورفين السّر الذي توشوشه الشفاه للآذان للحصول على جرعة منه، إما بشارع بلكور، أو رويسو، وخلافا لهذين العنوانين لن يتسنى لك الحصول عليه، فالجزائر كلّها تحج إليه من كل حدب وصوب، في حين أنه يجب توفير هذا الدواء في كل الصيدليات.
-
ويبدأ سعر هذا الدواء من ألفي دينار إلى 12 ألف دج، لعلب تتراوح سعتها من 10 ملغ إلى 200 ملغ، فكمية 10ملغ، لو يشربها شخص معافى، تكفي لأن يفقد الوعي يوما بأكمله، تعد هذه الجرعة أولية لمرضى السرطان، ومع الوقت تصبح كمية 200 ملغ لا فائدة لها أمام الآلام اللامعقولة التي يضطرهم إليها “الخبيث”، تحوّل حياة المرافقين لهم إلى جحيم، مثلما تقول “ح” :”شقيقتي أصيبت بسرطان المعدة، قضت أيامها الأخيرة في صراخ، لا يمكننا معه أبدا أن نغمض جفنا، إلى أن ترحمها العناية الإلهية وتهدأ بعض آلامها، رغم أنها كانت تتناول أقصى جرعة من المورفين، وفي أيامها الأخيرة صرنا نلتف حول باب غرفتها تائهين بين البكاء والدعاء، وهي ترفض مكوث أي منّا معها، وصارت تطلب الموت في كل موجة ألم”.
-
ورغم ذلك لا توجد في بلدنا أي مرافق لمتابعة المريض إلى أن يسلم نفسه لبارئه، بل عن الفريق الطبي بالمركز لا يجد حرجا في القول لأهل المريض”ليس لنا أن نفعل له أي شيء، خذوه إلى المنزل وانتظروا..”، كلمات قاسية استمع إليها المئات من ذات الفريق، وعلى مسمع من المريض، في حين يحتضن الغرب المريض إلى غاية الرّمق الأخير.
-
-
توقعات مخيفة للمرض وتحرك بطيء للوزارة
-
المؤسف في بلدنا أن وزير الصحة وإصلاح المستشفيات يعرف جيدا واقع المرضى ككل ومرضى السرطان بشكل خاص، لكنه لم يقدم الحلول التي تخفف من مأساتهم، بدليل الأرقام التي تلاها أمام نواب مجلس الأمة في السادس جانفي 2011 . فمصالح ولد عباس أحصت 36 ألف مصاب بالسرطان في 2009، ويتوّقع أن يرتفع العدد إلى 44 ألف مصاب في 2012، أغلبها من النساء، إذ تتوقع إصابة 24 ألف امرأة، و20 ألف رجل.
-
ولا تتوفر الجزائر إلا على 15 مركزا بالأشعة مع 13 جهاز للعلاج بالأشعة. واعترف الوزير بوجود مضاربة كبيرة في أدوية علاج السرطان، لكن مصالحه لم تفتح تحقيقا أبدا في هذا الملف.