3 سنوات من الحسابات المدققة للشركات الجزائرية تحت مجهر الدولة!
الدراسة وفق بيانات 2023 و2024 و2025 لتمييز الصعوبات الظرفية عن الاختلالات الهيكلية
قياس الاعتماد على التمويل البنكي وحجم التمويل الذاتي والديون وقدرة المؤسسات على الاستثمار
تستعد الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات لإطلاق مشروع وطني نوعي يحمل تسمية “الراديوسكوبيا المالية للمؤسسة الجزائرية”، يقوم على استغلال البيانات المجمعة المستخرجة من القوائم المالية المصادق عليها، بهدف رسم صورة دقيقة عن الوضع المالي الحقيقي للمؤسسات الجزائرية، وتحويل هذه المعطيات إلى أداة مساعدة في صناعة القرار الاقتصادي.
وبهذا الصدد، قال رئيس الغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، محمد يحياوي، في تصريح لـ”الشروق”، إن المشروع لا يتعلق بإنشاء قاعدة بيانات جديدة للمؤسسات ولا بكشف الوضعية المالية لأي شركة، وإنما بتحويل آلاف الحسابات التي يدققها محافظو الحسابات سنويا إلى مؤشرات وطنية تكشف الاتجاهات العميقة للاقتصاد، من خلال معرفة مصادر تمويل المؤسسات، ومستوى مديونيتها ورسملتها، وقدرتها على تمويل استثماراتها، وربحيتها وملاءتها المالية.
ويكتسي المشروع أهمية خاصة، بحسب المتحدث، لأنه سيسمح بالإجابة عن أسئلة يصعب قياسها بدقة من خلال الإحصاءات التقليدية، على غرار حجم اعتماد المؤسسات على التمويل البنكي، وتأثير آجال دفع الموردين وتحصيل مستحقات الزبائن على الخزينة، وحجم التمويل الذاتي مقارنة بالديون، فضلا عن تحديد القطاعات الأكثر تعرضا لمخاطر الاستيراد وتقلبات أسعار الصرف.
وستعتمد “الراديوسكوبيا” على بيانات السنوات 2023 و2024 و2025، بما يسمح بقراءة تطور الوضع المالي للمؤسسة الجزائرية عبر سلسلة زمنية، وليس من خلال رقم منفرد، ويتيح هذا الأسلوب، بحسب يحياوي، التمييز بين الصعوبات الظرفية والتحولات الهيكلية، فارتفاع المديونية مثلا قد يكون نتيجة توسع استثماري، بينما يمكن أن يكشف استمرار تراجع الربحية لعدة سنوات عن اختلال مالي أكثر عمقا.
كما ستقيس الدراسة مستوى الإدماج المحلي في عدد من الشعب الصناعية، من خلال تحليل بنية الاستهلاكات الوسيطة، لمعرفة مدى اعتماد الإنتاج الوطني على المدخلات المستوردة، وستولي اهتماما خاصا للصناعات الغذائية والسيادة الحبوبية، ومواد البناء، والبلاستيك، والألمنيوم، ومكونات السيارات، والحديد والصلب، والأجهزة الطبية، والهيدروليك وتسيير المياه.
وشدد يحياوي على أن السر المهني لن يكون عائقا أمام المشروع، بل جزءا من تصميمه، إذ ستجمع البيانات في شكل مجهّل ومجمّع، دون أسماء الشركات أو أرقام التعريف الجبائي أو السجل التجاري أو أي معلومة تسمح بتحديد المؤسسة. كما لن تنشر أي نتيجة تخص خلية إحصائية تضم أقل من عشرة ملاحظات، بما يمنع التعرف على مؤسسة بعينها من خلال النتائج.
وستُخضع البيانات لاختبارات آلية للتأكد من اتساقها، إلى جانب تدقيق داخلي ومراجعة من لجنة علمية مستقلة، مع مقارنتها بالمعطيات المجمعة للديوان الوطني للإحصائيات وبنك الجزائر والمديرية العامة للضرائب، دون تبادل البيانات الفردية.
ولا تتوقف المبادرة عند إعداد تقرير وطني، إذ تقترح الغرفة إنشاء مرصد دائم للبيانات المالية المصادق عليها، يسمح بمتابعة تطور صحة المؤسسات سنة بعد أخرى، ورصد مواطن الهشاشة مبكرا وقياس أثر السياسات الاقتصادية، ويمتد تنفيذ المشروع المقترح على 14 شهرا، على أن يتم تسليم التقرير الوطني خلال الربع الرابع من سنة 2027.
ويرى يحياوي أن الرهان يتمثل في الانتقال من مجرد “تصديق الحسابات” إلى “قراءة الاقتصاد”، بحيث تتحول المعلومة التي ينتجها التدقيق المالي من وثيقة تخص مؤسسة واحدة إلى معرفة وطنية تساعد على تحديد القطاعات التي تحتاج إلى تمويل وتحفيز، وتوجيه الاستثمار على أساس معطيات مالية فعلية ومصادق عليها، لتصبح مهنة محافظ الحسابات بذلك شريكا في إنتاج المعرفة الاقتصادية، وليس مجرد أداة للرقابة على الحسابات.