45 سنة في قطاع التّربية انتهت بإهانة لا تخطر على بال
كشفت، فاطمة الزهراء حراث، مديرة الدراسات السابقة بالأمانة العامة لوزارة التربية الوطنية، في هذا الحوار الذي أجرته مع “الشروق”، عن أسرار قطاع حساس، وعن سر نجاح بن بوزيد وفشل بابا احمد في مهمته، مؤكدة بأن الملفات البيداغوجية المطروحة للنقاش اليوم هي “اجترار” لمواضيع سابقة تم مناقشتها.
فاطمة الزهراء حراث، السيدة التي قضت 45 سنة خدمة في قطاع التربية، غادرته “مرغمة” غير “مخيرة“، براتب جد متواضع ومن دون سكن، كشفت عن تفاصيل الإقالات التي نفذها الوزير السابق بابا احمد وكيف كان يتخلص من إطاراته ومن تركة الوزير بن بوزيد، وكيف أبكى “الرجال“… وكيف تخلص من أمينه العام بوشناق بعد رفض هذا الأخير تنفيذ “مهمته القذرة“.. حراث أكدت أيضا بأنها هي الأولى التي احتفلت بعيد المعلم وليس منظمة اليونيسكو، وأملها أن يتم إنشاء مجلس حر لخبراء التربية من المتقاعدين خدمة لقطاع حساس.
أفضل البداية من النهاية، أنا شخصيا تفاجأت كثيرا لما بلغتني أخبار عن إحالتك على التقاعد، رغم أنك كنت منهمكة بإعداد ثلاثة ملفات حساسة، الأول يتعلق بالعنف في الوسط المدرسي، تحسين الخدمة العمومية في قطاع التربية، تقييم الإصلاحات التربوية، بتكليف من الأمين العام السابق للوزارة بوشناق الذي أقيل هو الآخر، فما الذي حدث فعلا؟
والله لقد ذكرتني بفترة جد صعبة قضيتها في الوزارة، فرغم أنني عشت فترة التسعينيات بمرارتها وتعرضت لمحاولة الاغتيال عدة مرات وصمدت وواصلت المشوار، لكن أن يصلك خبر إحالتك على التقاعد “بالصدفة” فهذا صعب جدا، بالفعل لقد تم تكليفي بإنجاز دراسة كاملة عن ثلاثة ملفات هامة وهي العنف في الوسط المدرسي، تحسين الخدمة العمومية، تقييم الإصلاح التربوي، باشرت عملي وكنت أشتغل في أريحية تامة، فقد كنت أتلقى الدعم من قبل الأمين العام السابق للوزارة بوشناق الذي استقدمه الوزير السابق بابا احمد، وظللت أعمل ليل نهار لكي أقدم الدراسة في أوانها، وفي إحدى الأيام بلغنا خبر إقالة أحد إطارات الوزارة، فدخلت إلى موقع الجريدة الرسمية لكي أتأكد من الخبر، وهنا كانت المفاجأة، بل الفاجعة لما وجدت اسمي على رأس قائمة المحالين على التقاعد، ومنذ ثلاثة أشهر كاملة ومن دون أن يخبرني أحد.
كيف تصرفت حينها؟
التزمت الهدوء واتصلت بمديرية المستخدمين بالوزارة، وطلبت منهم الاستفسار عن الموضوع، وتمكيني من وثيقة تثبت أنني مقالة أو محالة على التقاعد، ليجيبني مسير الملفات الإدارية للإطارات وبكل برودة أعصاب، “إذا رأيت اسمك في الجريدة الرسمية فاذهبي وانتهى الأمر“، ظللت مصدومة ورحت أتساءل بيني وبين نفسي لو أنني لم أتصفح الجريدة الرسمية بالصدفة لبقيت جاهلة للموضوع ربما لمدة سنة أو سنتين، فكل شيء ممكن، رفضت أن أحط من قيمتي، ففي يومين جمعت أدواتي وودعت زملائي الذين تفاجأوا للخبر، ولما طلبت مقابلة الوزير رفض استقبالي… تتنهد.. تتوقف عن الكلام لثوان، ثم تواصل قائلة “خرجت ورأسي مرفوعة وكنت مستعدة للعمل مجانا“.
هل صحيح أنه طلب منك إرجاع راتب ثلاثة أشهر، الذي تقاضيته وأنت محالة على التقاعد، رغم أن الخطأ ليس خطأك؟
اضطررت لبيع سيارتي.. غادرت الوزارة بعد 45 سنة خدمة براتب أكثر من متواضع، ومن دون أن أحصل على سكن والحمد لله.
هل هو سيء لهذه الدرجة؟
أريد التوضيح بأنني لم أستقل، بل وصلت لسن التقاعد، وبالتالي فإحالتي على التقاعد هي المنفذ الوحيد لبابا احمد لكي يتخلص مني، خاصة بعد صدور تعليمة الوزير الأول عبد المالك سلال، لكن حبذا لو طبق التعليمة على الجميع وليس على شخص معين، أنا لست ضد تطبيق تعليمة الوزير الأول وإنما تطبيقها بعدل، وكنت مستعدة لمنح الأكثر في فترة نضجي ومجانا.
هل كان يستشير إطاراته في اتخاذ القرارات، خاصة الحاسمة منها؟
أبدا وإطلاقا، كان يلتحق بمكتبه ويقوم بغلق الباب على نفسه، فلم يكن يجتمع حتى مع الأمين العام، كان متعال ولديه نظرة خاطئة عن القطاع بأنه لا يملك أشخاصا مؤهلين، وأذكر جيدا بأنه مباشرة بعد التحاقه بالوزارة عقب إبعاد الوزير بن بوزيد استقدم بوشناق وعينه كأمين عام للوزارة، وأول مهمة كلفه بها هي تفريغ الوزارة من إطاراتها وبعبارة أخرى أن “يكنس” الوزارة من تركة بن بوزيد بما فيهم مديري التربية، لكن بوشناق ورغم أنه كان يعطي انطباعا بأنه صارم وخشن في تعامله، غير أنه كان ذكيا فلم يطبق قرارات الوزير، بل طلب مهلة لكي يتعرف على الإطارات، صحيح أنه غير العديد من الأمور والعادات السيئة التي كانت موجودة، خاصة وأنه هو من ألغى الوجبات الغذائية التي كانت مخصصة لعديد الموظفين وأبقى فقط على وجبة الوزير، لأنه اكتشف بأنه حتى القهواجي يتناول وجبة غذائية قيمتها 3 آلاف دينار، لكنه رفض أن يساهم في إقالات الإطارات من دون سبب، حتى أن التقارير التي وصلته أكدت له بأن مديري التربية الذين تم انتقادهم بشدة هم أحسن المديرين في نظر الولاة، لكن هذا الأمر أزعج بابا احمد كثيرا، وبالفعل فهو لم ينتظر كثيرا ليقيل بوشناق من منصبه وبطريقة مخزية جدا، فتخيلي ردة فعل بوشناق أنذاك لما التحق بمكتبه في أحد الأيام ليباشر عمله، ليتم تبليغه بأنه مقال وعليه مغادرة الوزارة، لأنه قد تم تعيين أمين عام جديد بدلا عنه.
ليس هذا فحسب، تخيلي أنه كان يلقبني “بالفأرة” التي وجب تسميمها للتخلص منها، وبالفعل فقد طلب من بوشناق التخلص مني، لكن هذا رفض ودافع عني أمامه وأخبره بأنها إذا كانت حراث فأرة فهي من أحسن الفئران، فحصل التصادم بينهما إلى درجة أن الوزير أصبح يبعث بقوائم الأشخاص المقترحين للإقالة والإحالة على التقاعد دون علم بوشناق، فهمشه تماما إلى أن غادر الوزارة.
يقال أنه كان يستشير “مدام دليلة” في اتخاذ قراراته؟
تبتسم… بوحزام هو مدام دليلة، هذا الشخص قد عوقب لما كان يعمل بوزارة التربية سنوات التسعينيات وتمت إقالته، ليعود بمجيء بابا احمد، فكان يعمل معه في السر والخفاء، فكانت القرارات تتخذ خارج أسوار الوزارة، إلى درجة أن بابا احمد كان يلتقي بالوزراء والسفراء أكثر من لقائه بإطاراته.
ما رأيك في أداء بن غبريط لحد الساعة؟
لا يمكنني أن أعلق على أدائها، ولا أن أحكم عليها، مادامت هناك قرارات وقرارات مناقضة لها، لكن ما يمكن أن أؤكده بأن بابا احمد قد ترك للوزيرة وزارة خالية على عروشها، لقد أقال الجميع من دون أن يعوضهم، كيف وهو الشخص الذي أبكى الرجال ظلما، وماذا عن النساء اللواتي أبكاهن بقراراته الارتجالية، فكان المهم بالنسبة إليه هو التخلص من تركة بن بوزيد، والله هي لعبة سمجة من شخص لا يعرف قطاع التربية.
سنعود بالزمن إلى الوراء، خدمت قطاع التربية كما ذكرت سالفا 45 سنة، اشتغلت في التدريس، ثم انتقلت للتفتيش، ليتم تعيينك كمديرة للدراسات بالأمانة العامة للوزارة، وبحكم أنك اشتغلت فترة طويلة مع الوزير الأسبق أبو بكر بن بوزيد، في اعتقادك هل بقاء وزير على رأس قطاع حساس كالتربية لمدة طويلة شيء إيجابي، أم العكس؟
فعلا، اشتغلت بالتدريس إلى غاية سنة 1987، ثم التحقت بسلك التفتيش وبقيت فيه إلى غاية 2008، لألتحق بعدها بالوزارة في عهد الوزير الأسبق، كان مهتما كثيرا بالتعليم الابتدائي، فعرض علي منصب مديرة للدراسات بالأمانة العامة، كان ذلك بعد تقديمي لعرض خلال ملتقى وطني نظم حول التاريخ والتربية في نادي الجيش، ترددت في البداية للحب الذي كان يربطني بالميدان، لأن الميدان يجعلك تتقرب من هموم المعلم وتقف على تكوينيه وتطوره، ظللت أشتغل بالدراسات، لكن الجدير بالذكر بأن بن بوزيد قد بقي في القطاع مدة طويلة وهي الفترة التي مكنته من التعرف على القطاع ومراجعة مرحلته السابقة، لأن خصوصية القطاع تستوجب ذلك، نظرا لأنه من المستحيل معالجة قضايا قطاع حساس في ظرف وجيز حتى ولو كان ذلك الوزير متخرجا من جامعات عالمية ويحمل شهادات عليا، لأن التربية هي “نبات لا ينمو إلا من ري أهله“، وبالتالي فبن بوزيد أصبح جزءا من قطاع اسمه التربية والتعليم، فلم يبق في “الهرم السياسي” فقط، بل تعمق في الأمور التربوية وتعرف بدقة على أمورها الميدانية.
نفهم من كلامك أن بن بوزيد قد خدم القطاع، خاصة وأنه عمر فيه طيلة 19 سنة؟
نعم، لقد أعطى دفعة قوية للإصلاحات التربوية، فتح الباب أمام الشركاء الاجتماعيين، ثمّن عمل الإطارات، فكان يحفزهم ويشجعهم، فكنا لما نحضر الاجتماعات معه كان يشيد كثيرا بالأفكار التي نطرحها للنقاش، وفي أحد الأيام حضرت اجتماعا رسميا تم عقده لمناقشة قضية تهوية وتخفيف البرامج التربوية، بوضع خطة ملائمة لها، وتطبيقها ميدانيا، وهو الاجتماع الذي ترأسه الوزير بن بوزيد، ولما أخذت الكلمة لأدلي برأيي حول الموضوع، قام مدير الديوان أنذاك بمقاطعتي لإسكاتي، لكن الوزير تدخل حينها وطلب مني مواصلة الحديث، نعم بن بوزيد كان “مستمعا جيدا“، فكان يستمع للآخرين، يتبادل معهم الأفكار والآراء، بسيطا في التعامل مع العمال البسطاء، وينزل إلى مكاتب الموظفين ويقترب منهم.
بن بوزيد أعاد لامتحان شهادة البكالوريا مصداقيته بإلغاء نظام “الإنقاذ“، كما تم طرح قضية البطاقة التركيبية أنذاك، ليتقرر بعدها عدم تطبيقها، وما أنوي قوله هو أن الملفات المطروحة حاليا للنقاش هي مجرد “اجترار” لمواضيع سابقة، طرحت ونوقشت في وقت سابق، فلا جديد فيها، خاصة ما تعلق بملف تخفيف البرامج، فعوض الحديث عنه، كان الأجدر على الوزارة الذهاب إلى تثبيت وتوجيه البناء اللغوي لدى المتعلم ليوظف مكتسباته التعلمية بشكل جيد، ورغم هذا فالمتعلمون في الطور الابتدائي يتحدثون باللغة العربية، بينما المعلم في القسم لا يستعمل اللغة العربية، بسبب عوامل خارجية تتعلق بالذاتية والألفة، وما أود الإشارة إليه فعلا هو أن بن بوزيد وخلال آخر اجتماع له قبل ذهابه من الوزارة ألح على ضرورة استعمال اللغة العربية في القسم وضرورة التدريس بها بدل العامية.
يقال أنك أول من احتفل بعيد المعلم، والفكرة كانت فكرتك، لكنها سرقت منك فيما بعد، وصارت تنسب اليوم لمنظمة اليونسكو، فماذا تقولين في الموضوع؟
نعم، أنا من احتفل أول مرة بيوم المعلم، سنة 1987 وليس منظمة اليونسكو، والفكرة لقد بدرت لي خلال زياراتي الميدانية التي أقوم بها للمؤسسات التربوية، وحينها اكتشفت بأن هناك العديد من المعلمين مبدعون وموهوبون، فاقترحت عليهم أن يعرضوا علي مواهبهم، وبالفعل لما جمعتها ذهلت حقا، فعلى مستوى 35 مؤسسة تربوية وجدت بأن هناك 40 معلما ومعلمة لديهم موهبة من المواهب، حينها قمت بإرسال مذكرة إلى وزارة التربية الوطنية أطلب منها السماح لي بتنظيم حفل لعرض تلك المواهب في يوم أسميه “يوم المعلم“، وكان ذلك في نهاية شهر جوان، أي بعد انتهاء الامتحانات، وبالفعل لقد تمكنت من تنظيم الحفل في مدرسة بعين النعجة، حينها قرأ الشعراء شعرهم وأدباء عرضوا فواصل من رواياتهم، وأتذكر يومها لما قامت إحدى المعلمات التي كانت تملك صوتا شجيا وقويا بالغناء لأم كلثوم، وبعد نجاح الفكرة رحت أوسع المبادرة لهواة كرة القدم، فنظمت مباراة لكرة القدم للمعلمين بحضور وزير التربية الأسبق أنذاك سليمان الشيخ، لكن الذي حدث فيما بعد أن الوزير سليمان الشيخ لما التحق بمنظمة اليونيسكو اقترح إدراج اليوم العالمي للمعلم كأن الفكرة فكرته، وبالفعل اختير له تاريخ الـ5 أكتوبر من كل سنة.
آخر كلمة ؟
اقترح إنشاء مجلس وطني حر لخبراء التربية الوطنية يجمع المتقاعدين طوعا من كل المستويات، مهمتهم تقديم آرائهم وخبرتهم خدمة للقطاع.

