الجزائر
معهد باستور أوقف استيراد القرنية والمستشفيات في أزمة

6000 جزائري ينظرون بعيون الموتى و30 ألف في قائمة الانتظار

الشروق أونلاين
  • 11398
  • 28
الشروق

توقف معهد باستور عن استيراد القرنية من أمريكا سنة 2012، بهدف تشجيع الجزائريين على التبرع بها، بعدما كان استيرادها يكلف خزينة الدولة أموالا طائلة، وبعد سنتين من تطبيق القرار، تعطلت عمليات زرع القرنية في المستشفيات، ما جعل آلاف المرضى يدخلون قائمة الانتظار كل عام، والأوفر حظا منهم توجهوا للعيادات الخاصة لزرع القرنية بـ50 مليونا، وحسب المختصين فإن قانون الصحة الحالي يجبر الطبيب على الحصول على رخصة من أهل الميت لاستئصال القرنية، وهذا ما لا توافق عليه أغلب العائلات، ما جعل الجزائر تعاني من أزمة حادة في عمليات زرع القرنية، ما يهدد 30 ألف مريض بالعمى.

أكد رئيس الجمعية الجزائرية  لمرضى “الرمد الحبيبي” السيد تابت مصطفى في تصريح “للشروق” أن معهد باستور ارتكب خطأ فادحا بتوقفه عن استيراد القرنية من أمريكا، دون تقديم بديل لإنقاذ آلاف المرضى من العمى، ما عطل عمليات زرع القرنية في المستشفيات، وتسبب حسبه  في ازدياد المرضى في قائمة الانتظار، الذين تجاوز عددهم 30 ألف مريض، يلاحقهم هاجس الإصابة بالعمى، وأكد مصدرنا أنه راسل معهد باستور لطلب توضيحات حول أسباب قرار توقف استيراد القرنية منذ سنتين، دون إعطاء بديل للمرضى الذين يعاني أغلبهم من حالة متقدمة من ضعف البصر، وكشف المتحدث أن العيادات الخاصة باتت المستفيد الأكبر من تعطل عمليات زرع القرنية في المستشفيات، حيث انتقل سعر زرع القرنية من 30 إلى 50 مليونا في بعض العيادات التي تلجأ إلى شراء القرنية من الأموات، مقابل 20 مليونا، وهذا ما يتنافى مع أخلاقيات الطب وتوصيات وزارة الصحة التي تمنع شراء الأعضاء من المرضى أو الموتى.

وأكد المتحدث أن جمعيته نظمت العديد من العمليات التحسيسية لتشجيع المواطنين على التبرع بالقرنية، بالاستعانة بأئمة وأطباء وجمعيات المرضى، وهذا بهدف مساعدة المستشفيات على بعث عمليات زرع القرنية التي ينتظرها آلاف المرضى. 

 

مرضى يكشفون المستور وعيادات تتاجر بعيون الأموات

“مستعدون لدفع 100 مليون من أجل الحصول على قرنية” هذا ما أكده للشروق اليومي بعض المرضى الذين التقيناهم بمصلحة طب العيون بمستشفى حساني إسعد ببني مسوس، والذين أكدوا أنهم أودعوا ملفا طبيا لزرع القرنية على مستوى المستشفى منذ سنتين، ولم يتحصلوا على استدعاء للقيام بالعملية، بحجة انعدام القرنيات، التي توقف معهد باستور عن استيرادها منذ سنتين، وكشف المرضى أن العيادات الخاصة تشهد ضغطا كبيرا في عمليات زرع القرنية والتي يتراوح سعرها بين 50 و70 مليونا، ويصل موعد العملية لأكثر من سنة جراء الضغط الكبير، ما دفع بعض المرضى لدفع 100 مليون مقابل تقريب موعد العملية.

وفي جولة قادتنا لبعض العيادات الخاصة بالعاصمة أكد القائمون عليها “رفضوا ذكر الاسم”، أن عمليات زرع القرنية تراجعت بشكل كبير بعد توقف معهد باستور عن استيرادها، وبالنسبة للعمليات التي تبرمج في هذه العيادات فإن “القرنيات يتم التبرع بها من طرف المواطنين”، ولكن ما أكده لنا بعض الأطباء والمرضى بشكل غير رسمي يبين أن هذه العيادات تقوم بشراء القرنيات من الموتي بـ20 مليونا، بالتواطؤ مع أطباء يعملون في المستشفيات، والذين يقومون بإقناع عائلة الميت ببيع القرنية، وهذا ما تلجأ إليه بعض العائلات الفقيرة .

 

“الجزائريون يرفضون التبرع بالقرنية ويشتكون من غيابها”

أكد البروفسور محمد الطاهر نوري رئيس مصلحة طب العيون بمستشفى حساني إسعد لبني مسوس في تصريح لـ “الشروق” أن الجزائريين يرفضون التبرع بالقرنية، وفي نفس الوقت يشتكون من غيابها، وهذا بسبب غياب الثقافة الدينية والصحية للكثير من العائلات، وأكد أن مصلحته كانت تجري أزيد من 200 عملية زرع القرنية في السنة، ومنذ توقف استيرادها من طرف معهد باستور من أمريكا، تعطلت هذه العمليات في جميع مستشفيات الوطن، ما جعل آلاف المرضى يدخلون قائمة الانتظار، وأضاف “أن نزع القرنية من الجثث كان يتم بطريقة آلية ومنظمة في سنوات السبعينات وبداية الثمانينات، لكن قانون الصحة المؤرخ سنة 1985 اشترط موافقة عائلة الشخص المتوفى لنزع القرنية من عينه، وهذا ما ساهم في توقف عمليات التبرع في المستشفيات، ودفع وزارة الصحة إلى تكليف معهد باستور باستيراد القرنية من أمريكا والتي يتبرع بها الأمريكيون للمستشفيات، حيث تدفع الجزائر تكاليف نقل وحفظ القرنية ولا تشتريها، والتي تبقى صالحة للزرع مدة 24 يوما، وكذّب المتحدث الأطراف التي زعمت أن الجزائر تشتري القرنية من أمريكا، مؤكدا أن معهد باستور يدفع تكاليف نقلها وحفظها فقط، وهذا لا يكلف خزينة الدولة أموالا كبيرة بالنظر لما تمثله هذه القرنيات من أعضاء حساسة لإنقاذ المرضى من العمى.

ويرى المتحدث في نفس السياق أن القوانين الجديدة حول زرع ونقل الأعضاء بالجزائر تعيق نزع القرنية ولا تسهلها باعتبار هذه العملية مرتبطة ارتباطا وثيقا بعامل الوقت، إذ يجب نزعها خلال 8 ساعات الأولى من وفاة الشخص، مشيرا إلى بعض العراقيل التي لازالت تعيق هذه العملية، اقترح البروفسور نوري وضع سجل بمكتب الدخول بالمستشفيات لعدم اعتراض المواطنين  للتبرع بالأعضاء.

 

 قانون غير مطبق حرم 30 ألف مريض من زرع القرنية

من جهته أكد البروفسور مصطفى خياطي رئيس الهيأة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث “فورام” للشروق أن توقف معهد باستور عن استيراد القرنية من أمريكا، تسبب في أزمة حقيقية في المستشفيات، بسبب امتناع الجزائريين عن التبرع بقرنيات موتاهم، وكشف أن وزارة الصحة أصدرت قانونا سنة 1990 يعطي للوالي صلاحية استئصال قرنية الميت إذا لم يتم نقله من المستشفى بعد ثماني ساعات من الوفاة، وهذا ما يسمح للطبيب باستئصال القرنية دون طلب رخصة من العائلة بعد موافقة الوالي على ذلك، وتأسف المتحدث لعدم تطبيق هذا القانون من طرف المستشفيات التي كانت تنتظر حصتها من القرنيات من معهد باستور، وبعد توقف الاستيراد أغلقت أبوابها في وجوه المرضى، ودفعت بهم للتوجه للعيادات الخاصة.

عيادات خاصة تشتري القرنية من الموتى بـ 20 مليونا

وقال خياطي إن الجزائر تسجل سنويا 100 ألف وفاة، وبالمقابل لا تتحصل سوى على عدد قليل وأحيانا منعدم من القرنيات عن طريق التبرع، وهذا ما يتطلب تشجيع العمليات التحسيسية في المساجد لإقناع المواطنين بالتبرع بالقرنية تحت شعار  “من أحيا نفسا كأنما أحيا النسا جميعا”.

 

6000 جزائري ينظرون بعيون الموتى

أكد رئيس جمعية الأطباء الجزائريين المختصين في طب العيون الدكتور بوعلام شاشوة، أن المستشفيات تمكنت من  زرع أكثر من 6000 قرنية تم استيرادها من الولايات المتحدة الأمريكية عبر مختلف المراكز الاستشفائية الجامعية الجزائرية ما بين 2001 و2012، مطالبا بتعديل الإطار القانوني المتعلق باستئصال قرنية العين للأشخاص المتوفين بغية ضمان توفر هذا النسيج في الجزائر دون اللجوء إلى استيراده، وتأسف المختص في  تصريح سابق لوكالة الأنباء الجزائرية أن “الجراحين المختصين في طب العيون الذين يمارسون زرع القرنية يواجهون عائق طلب ترخيص للقيام بعملية انتزاع فوري للقرنية من أقرباء الشخص المتوفى وهو أمر يصعب تحقيقه”، ووصف قانون الصحة لسنة 1985 المتعلق باستئصال القرنية وزرعها بـ “العائق”، مؤكدا أن قرنية العين تعد نسيجا وليس عضوا حيث يجب القيام بانتزاعها من الجثة خلال الساعات الأولى التي تتبع الوفاة”، وفي هذا الصدد اقترح الدكتور، أن يعتبر كل شخص لم يعارض وهو حي على التبرع بأعضائه كشخص قابل بأن يتبرع بأعضائه بعد وفاته داعيا إلى إنشاء بنك لجمع القرنيات وفتح سجل وطني للمتبرعين بالأعضاء والأنسجة لتفادي اللجوء إلى استيرادها من دول أجنبية.

 

“القرنية وأعضاء أخرى تسرق وتباع أثناء عمليات التشريح”

أكد الناطق باسم الجمعية الجزائرية لضحايا الأخطاء الطبية السيد أبو بكر محي الدين للشروق أنه استقبل العديد من التقارير السوداء لعائلات اكتشفت سرقة أعضاء موتاها في المستشفيات أثناء عمليات التشريح، بما فيها القرنية وأعضاء أخرى، وانتقد بشدة إقدام العيادات الخاصة على شراء القرنيات من الموتى، مؤكدا أن من يقوم بهذه العملية هم من “مافيا” الصحة الذين يتحكمون في القطاع العام والقطاع الخاص على حد سواء، وقال مصدرنا إن بعض العائلات لجأت الى التبرع بقرنيات موتاها من باب الصدقة الجارية، ولكن بعض الأطراف استغلت  هذه القرنيات وتبيعها للقطاع الخاص، مثلما يحدث مع الدم الذي يتبرع به المواطنون بطريقة مجانية، وتبيعه العيادات الخاصة بمبالغ تتراوح بين 2000 و3000 دج.

 

الوزارة تفتي بجواز واستحباب التبرع بالقرنية

يعرف الأطباء القرنية أنها ذلك الجزء الأمامي الشفاف من العين، وتعتبر من أهم مكونات العين وعبرها تمر الأشعة التي تتجمع على سطح الشبكية مشكلة بذلك ما تراه من صور وأشكال، ويجب أن تبقى القرنية شفافة حتى تقوم بعملها بشكل سليم، وقد أفتت وزارة الشؤون الدينية من خلال موقعها أن نقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء فيه حفظ للنفوس التي حثت الشريعة الإسلامية بوجوب المحافظة عليها، وأكدت الفتوى أن أخذ قرنية الميت لزرعها في عين إنسان حي لاستعادة بصره، هي تكريم للإنسان المتبرع، حيث يفتح له باب الأجر والثواب، ولا يعد هذا من قبيل “التمثيل” أو التشويه لأن التمثيل  الذي قصده الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقصد بها إهانة الميت والاستخفاف بشأنة وانتهاك حرمته.

 وأكدت الوزارة أن التبرع بقرنيات العين إلى الآخرين المصابين بفقد البصر يدخل في مفهوم الصدقة التي حثت الشريعة الإسلامية على بذلها للآخرين من ذوي الحاجات، واستشهدت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه”.

مقالات ذات صلة