الشروق العربي

62 سنة عن ثورة استقلال 62

الشروق أونلاين
  • 1280
  • 0

من الثورة إلى الثروة! هذا ما يمكن أن نستنتجه بعد 62 سنة عن ثورة 54 التي أنجبت استقلال 62! الشهداء صاروا إلى رحمة الله قبل أن تصير الجزائر إلى رحمة الجزائريين.

 المجاهدون الأوائل آخذون في الانقراض، وما تبقى من مشاهدين ومجاهدي السنوات الأخيرة من عمر الثورة، كثير منهم مغيبون بسبب السن والمرض والكثير منهم يودع! وفي كل هذا، وبعد 62 سنة من عمر الجزائر المستقلة، نرتهن اليوم إلى الثروة بعد الثورة، ويصبح معيار الوطنية فعلا “معيارا”! أي بالعامية “معايرة”! حتى أننا صرنا نخشى أن تكون الوطنية قد أصبحت صفة مذمومة! السبب، أن الثورة تحولت بفعل أفاعيل الإدارة السياسية والإرادة غير السياسية إلى “صندوق تجاري” يستثمر فيه الناس باسم الثورة! وها هي الوطنية تصير تنكيتا، وتصبح الأعياد الوطنية، فقط يوما مدفوع الأجر بلا ثواب! حتى الأعلام، لم تعد ترفع شعبيا إلا في المقابلات الرياضيات! لم يعد لأول نوفمبر ولا 5 جويلية ولا 20 أوت ولا 11 ديسمبر ولا 19 ماي وقع ولا رنين ثوري لدى جيل 62، بعد 62 سنة عن هذه السنة! هل ماتت الوطنية؟ ومن قتلها إذا كانت فعلا ماتت!؟ وإذا كانت ما تزال حية، إنما فقط غيرت من مواقعها وجلدها، فأين هي الوطنية الحقيقية؟ هل هي في حقائب الوزراء أو في ملفات الحكومة والولاة والنواب والمنتخبين فقط؟ أم هي في قلوب كل الشعب الذي تربى على حب الوطن وليس حب البطن؟ الأكيد أننا وجدنا الآن أنفسنا أمام إشكالية انتماء وتملك للوطنية: لكل وطنيته وكل يحب وطنه بطريقته! البعض يحب الوطن حبه للبطن، والبعض يحب الوطن بما يعطيه لا بما يأخذه منه! البعض يحب الوطن بقرة حلوبا، تعطي الحليب بدون أن يقدم لها لا الأكل ولا الشرب، والبعض يحب الوطن بلا مقابل! لا يطلب شيئا! من هؤلاء كثير من المجاهدين الذين بقوا حتى من دون وثيقة أو ملف عضوية، إيمانا منهم بأن ما فعلوه كان جهادا في سبيل الله وليس عملا يؤجر عليه، حتى ينالوا أجره في الآخرة عوض أن يأخذوه هنا بالدينار! وكثير ممن لم يعيشوا الثورة ولكن حب الوطن يملأ كيانهم ويبكون دما لما آلت إليه الأوضاع: مثقفون وبسطاء ومواطنون من الطبقة الوسطى والدنيا!

الكل يتأسف لما وصلت إليه البلاد، رغم ما حققنا من تحول وتطور على كل الأصعدة إلا في الفرد الجزائري! حيث ما يزال الفرد هو المشكلة! استثمرنا في الآلة وفشلنا، ثم نحاول مرة أخرى، واستثمرنا في الأرض والزراعة والثقافة ولم نصل ونعاود الكرة، ولكن في كل هذه الحالات ما يزال الإنسان الجزائري عموما والمواطن البسيط هو آخر اهتمام أولياء الأمر الذي تآمروا عليه أحيانا وتآمروا عليه غالبا! المواطن الذي صار هو القاعدة التي تبنى عليه الثروة كمستهلك لا كفاعل ولا حتى كعامل ولا حتى كصوت يؤخذ بعين الاعتبار عندما يدخل الصندوق! لأن صوت المواطن، يسجن وتكتم أنفاسه مباشرة بعد الدخول إلى القفص الحديدي ولو كان زجاجيا! لم يعد للمواطن صوت! بح صوته وكتمت أنفاسه. فقد صودر الصوت وبقيت الصورة! وهذا بإرادة الإدارة السياسية والإرادة الإدارية!

نمت على هذا التساؤل بعد 62 سنة من عمر الجزائر المستقلة، لأجد نفسي أعيش على وقع تحولات سياسية جديدة: لقد شرع في وضع خطة إصلاح جديدة تقتضي برد الاعتبار للشهداء والمجاهدين والثورة! كيف؟ بأن نبني لهم تماثيل في كل المدن ومتاحف في كل جهة ونصب تذكارية حتى في المساجد والزوايا! ونستعيد رفاتهم من المنافي والفيافي بالمال الصافي ونخسر عليهم الملايير من الدولارات رغم شح الدولار بسبب أزمة النفط! فلا خسارة في الشهداء! سنبني لهم مقابر من معادن ثمينة وننظم لهم زيارات سياحية! كما سنقيم لهم أياما تخليدية في كل شهر وفي كل أسبوع! نطبع لهم الكتب ونصور لهم الأفلام ونغطي قبورهم بالأعلام وننشد لهم قسما ونشيد الإسلام ونصفق لهم كثيرا ونترحم عليهم قليلا! فهم من جاءوا لنا بالحرية! والثورة هي التي أنتجت الثروة التي ننعم بها في القصور والفيلات داخل وخارج الوطن وحتى في فرنسا عدوة الأمس القريب صديقة اليوم البعيد!

كنت أنا من وضع هذه الخطة لاسترجاع الوطنية الزائلة ولاستعادة محبة المواطن للوطنية الملوثة، خاصة وقد أعلنا عن منح كل مواطن يرفع علما بمناسبة وطنية سكنا أو عملا أو مبلغا معتبرا من المال، كل بحسب حاجته! صارت الأعلام حاضرة بوفرة في المناسبات الوطنية وصار الشعب يخرج للاحتفال بيوم الثورة والاستقلال ويوم المجاهد وحتى يوم النصر! البعض من الشعب صار يغلط ويخرج بالأعلام حتى يوم عيد الشجرة أو عيد المرأة ويتقدم بملف للحصول على سكن بدعوى أن خرج يوم 19 جوان! وهاهي الصور في البورطابل شاهدة وموثقة!

خلق هذا فيما بعد مشاكل لا تحصى ولا تعد بسبب كثرة المطالب، حتى أننا جمدنا العمل بـ”قانون تعويض العمل من يرفع العلَم”، مما انجرت عنه حوادث مؤلمة وانتفاضات كادت أن تعيدنا إلى المربع الأول في المثلث الثاني، بسبب طمع الناس وقلة صدقهم ومحبتهم في وطنهم! فقد صار البعض يتظاهر بحب الوطن ورفع العلم فقط للحصول على مكاسب وسرعان ما ينتفض إذا لم تدفع له أجر مقابل ذلك! بعض المواطنين أقسموا أنهم سيرفعون علم فرنسا والماريكانوالبارصا، في نوفمبر المقبل، لأننا لم نلب لهم طلباتهم في السكن والعمل والمال! بححح، ما بقاوش الدراهم! أعطيناهم لأرباب العمل لكي يعملوا بها العمل للعمال الذين لا يعملون أي عمل!

جاءني يوما شيخ يحمل علمين: الجزائري والفرنسي ويقول لي: تعطوني سكن وإلا راني نرمي واحد فيهم! قلت له: ترمي واحد فيهم أنت حر! لكن ترمي هذا اللي فيه النجمة والهلال بلون الدم والنار، ولون الحليب ولون الجنة! راك عارف القانون واش يقول! دبر راسك! فرمى العلم الفرنسي وخرج متظاهرا بمفرده رافعا العلم الجزائري ويقول “يحيا ساركوزي”! (طبعا اعتقلوه ووجدوا أنه يملك 13 سكنا، أخذهم عن طريق رفع الأعلام الوطنية في المناسبات بما فيها يوم 1جانفي وعيد المعوقين!).

عندما أفقت من نومي، كنت أنظر إلى بندقية قديمة معطلة ورثتها من أبي عن جده من أيام مقاومة الأمير عبد القادر وأنا أقول: لا ثورة بعد اليوم! اليوم ثروة وغدا على الثورة.. “كروا”!

مقالات ذات صلة