اقتصاد
خبراء يرفعون مقترحات جديدة بخصوص تسيير المنحة السياحية

750 أورو.. ستكون لمن يستحقها فعلا

إيمان كيموش
  • 10365
  • 0
ح.م

هذه تفاصيل الضوابط الجديدة لـ”بنك الجزائر” بخصوص حق الصرف
الأولوية لاستفادة المواطن.. ومنع أي تحويل غير قانوني للعملة الصعبة

أقر بنك الجزائر ضوابط صارمة جديدة لصرف حق السفر المقدر بـ750 يورو، بهدف تجنب أي تلاعب أو تحويل لهذه المبالغ إلى السوق السوداء، بينما اقترح الخبراء حلولا تكميلية لضمان استفادة المستحقين وحماية العملة الوطنية، تشمل تحويل المنحة للمسافرين إلى تونس بالدينار التونسي مثلا، أو صرفها عبر بطاقة ائتمانية دولية محددة الاستخدام.
وأصدر “بنك الجزائر”، بتاريخ 15 ديسمبر 2025 تعليمة جديدة لتنظيم منحة السفر المقدرة بـ750 يورو، في إطار الحق القانوني للصرف وفق التعليمة رقم 05-2025.
وتشدد التعليمة على أن الحق يُمنح فقط للمواطنين الذين يمتلكون حسابا بنكيا شخصيا في الجزائر، مع إلزام البنوك بالتحقق من هوية المستفيد ودراسة ملاءته المالية لضمان قدرته على تغطية نفقات السفر لنفسه أو لأفراد عائلته.
كما تم منع الدفع النقدي نهائيا، بحيث يجب أن يتم صرف المبلغ عبر بطاقة بين بنكية “سي إي بي” أو شيك بنكي أو أي وسيلة دفع كتابية معتمدة، ما يضمن استخدام المنحة بطريقة آمنة وشفافة ويقلل من تسرب العملة الصعبة إلى السوق الموازية.
وتشمل الإجراءات أيضا شرط مدة الإقامة الفعلية في الخارج، حيث يجب أن لا تقل عن سبعة أيام، وإلا يُلزم المستفيد بإرجاع المبلغ، مع عقوبة الحرمان من الحق لمدة خمس سنوات وإمكانية المتابعة القضائية، وتهدف هذه الإجراءات لضمان أن منحة السفر تصل إلى المستفيد الحقيقي، وتُستعمل لغرضها القانوني والاجتماعي، مع تعزيز الرقابة المالية وحماية الاقتصاد الوطني من أي سوء استخدام للعملة الصعبة.

هباش: تحديد معايير دقيقة لكيفية قبول ورفض طلبات المنحة بالبنوك
ويرى الخبير الاقتصادي فارس هباش في تصريح لـ”الشروق”، أن القرارات التي اتخذها بنك الجزائر، مساء الاثنين، بخصوص كيفيات صرف منحة السفر كانت استعجالية وضرورية لمواجهة نزيف العملة الأجنبية الذي أحدثته بعض الوكالات السياحية وأطراف متورطة في إخراج العملة الصعبة السياحية عن مسارها المحدد.
ويشير هباش إلى أن هذه الإجراءات كانت حتمية لحماية الاقتصاد الوطني من آثار تحويل العملة للخارج بشكل غير قانوني، إلا أنه يؤكد أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على القرارات الاستعجالية فقط، بل يحتاج إلى دراسة معمقة تضمن ضبط عمل المنحة السياحية وحق الصرف بما يوازن بين حماية الاقتصاد ومصالح المواطنين.
ويضيف المتحدث أن هذه الدراسة يجب أن تشمل شقين أساسيين، الأول يتعلق بكيفية حماية الاقتصاد الوطني من نزيف العملة ومنع تحويلها إلى السوق السوداء، بما يحفظ استقرار الاقتصاد ويعزز الثقة في السياسات النقدية، والثاني يتمحور حول كيفية تثمين القرار غير المسبوق لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بمنح كل مواطن جزائري مسافر للخارج حق الاستفادة من 750 يورو كمنحة صرف مرة في السنة من دون أي تعسف، ويؤكد الخبير أن الهدف من هذه الخطوة هو ضمان استفادة المواطنين بشكل مباشر من المنحة، من دون المساس بالموارد الاقتصادية الوطنية، بما يعكس التوازن بين رفاهية المواطن واستدامة الاقتصاد.
ويشير هباش أيضا إلى أن المواطنين يطالبون بتوضيحات أكبر حول كيفية منح البنوك السلطة التقديرية لتحديد من يستحق الاستفادة من المنحة ومن لا يستحقها، وهي أحد النقاط التي تضمنها القرار الأخير لـ”بنك الجزائر” الذي أكد أن البنوك تقدر إذا تمنح المنحة لطالبها بناء على وضعه وظروفه، والمعايير المعتمدة في هذا الاختيار، ويطرح الكثيرون تساؤلات حول إمكانية استفادة ذوي الدخل المنخفض أو العاطلين عن العمل، وما إذا كانت فئات معينة قد تُحرم من حقها على الرغم من حاجتها، مثل الأشخاص الذين لم يسافروا من قبل وليس لديهم مصادر دخل ثابتة، لكنهم قد يضطرون للسفر لأغراض علاجية بمساعدة فئات أخرى مثلا.
ويؤكد الخبير أن هذه الشفافية ضرورية لضمان عدالة توزيع المنحة وتفادي أي استثناء غير مبرر، ولتعزيز ثقة المواطنين في الإجراءات، بحيث يشعر الجميع بأن القرار يحقق الفائدة المرجوة لكل من يحتاج فعلا إلى هذه المنحة من دون المساس بحماية الاقتصاد الوطني واستقرار العملة الأجنبية.

سليمان ناصر: حق الصرف بالدينار التونسي للمتجهين نحو الجارة الشرقية
وغير بعيد عن ذلك، اقترح الخبير الاقتصادي، سليمان ناصر، في تصريح لـ”الشروق”، اعتماد إجراء مشترك بين الجزائر وتونس يشمل البنكين المركزيين ووزارتي المالية في البلدين، يهدف إلى منح المنحة السياحية للمتجهين نحو تونس بالدينار التونسي مباشرة، كما اقترح إمكانية تقاضي مستحقات الغاز من تونس بنفس العملة، ما سيسهم في حماية احتياطات الصرف في البلدين ويحد من تسرب العملة الصعبة نحو السوق السوداء.
وأشار ناصر إلى أن معظم التجاوزات المتعلقة بالمنحة السياحية تحدث بين الأشخاص المسافرين نحو تونس، مضيفا أن تطبيق هذا الإجراء سيساهم في ضبط هذه الظاهرة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
وأكد الخبير أن الفوائد الاقتصادية لمثل هذه الخطوة ستكون مزدوجة، إذ لن تحمي الاقتصاد الجزائري والتونسي فقط، بل ستساهم أيضا في تعزيز التبادل التجاري بين البلدين، وتسهيل العمليات المالية، وتقليل المخاطر المرتبطة بتحويل العملات خارج القنوات الرسمية. واعتبر أن مثل هذا التعاون المالي المباشر يمكن أن يشكل نموذجا يمكن تعميمه مستقبلا على قطاعات خدماتية أخرى لتعزيز استقرار العملة الوطنية.

الخبير جرايمي: بطاقة ائتمان دولية للمنحة بسقوف سنوية
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي حمزة جرايمي لـ”الشروق” أن منحة السفر المقدرة بـ750 يورو، رغم كونها أداة مهمة لدعم المواطن وتسهيل تنقله خارج البلاد، تحمل في صيغتها الحالية مخاطر واضحة على كفاءة تخصيص الموارد واستقرار سوق الصرف، موضحا أن تحويل المنحة نقدا للمتجهين نحو الخارج يولد فجوة كبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ما يشكل حافزا قويا للمضاربة، حيث يمكن بيع المنحة في السوق الموازية بمكاسب تصل أحيانا إلى ضعف متوسط الدخل الشهري.
ونتيجة لذلك، تتحوّل المنحة من أداة اجتماعية لتغطية نفقات السفر إلى وسيلة لتحقيق أرباح مالية مستقلة عن السفر الفعلي، مما يؤدي إلى تسرب كبير للعملة الصعبة إلى السوق السوداء ويزيد الضغط على احتياطات النقد الأجنبي على المدى المتوسط.
وأشار جرايمي إلى أن تقييم الأثر على الاحتياطي النقدي يجب أن يُنظر إليه ضمن السياق الكلي، فبينما يمثل إجمالي المنح المصروفة نحو 400 مليون دولار خلال أربعة أشهر نسبة صغيرة نسبيا من الاحتياطي البالغ 70 مليار دولار، فإن استمرار الصرف بنفس الوتيرة قد يؤدي إلى استنزاف سنوي يتجاوز 1.2 مليار دولار، وهو مبلغ كبير في ظل التذبذب المستمر لعائدات المحروقات.
وأكد الخبير أن الحل يكمن في إعادة تصميم أداة الدعم بما يضمن تحقيق الهدف الاجتماعي من دون تشجيع المضاربة أو تسريب العملة الصعبة، وأوضح أن التحويل النقدي المباشر ليس الوسيلة الأكثر فاعلية، بل من الأفضل اعتماد منح سياحية إلكترونية عبر بطاقات مصرفية محددة الاستخدام، مع سقوف استهلاك سنوية، وتقييد استخدامها خارج البلاد، وأشار إلى تجربة تونس كنموذج ناجح، حيث ساهم هذا الأسلوب في تقليص المضاربة، وتحسين تتبع التدفقات المالية، والحد من الضغط على السوق الموازية، رغم محدودية احتياطاتها مقارنة بالجزائر.
وأضاف جرايمي أن تطبيق مثل هذه الآلية في الجزائر سيحقق فوائد مزدوجة وهي حماية الاحتياطي من الاستنزاف، وضبط السوق الموازية، وضمان وصول المنحة إلى مستحقيها الحقيقيين.

مقالات ذات صلة