هَلَكَ فرعون وغرق جنوده.. في انتظار “توبة” الفيفا
لم يشهد الإتحاد الدولي لكرة القدم أزمة عصيبة مثل التي عرفها السنة الحالية منذ تأسيسه عام 1904. حيث غرقت سفينته في بحر الفساد وفشل كل من انبرى لرمي طوق النجاة.
وكان جوزيف بلاتر قد أشار عام 2011 – زمن فوزه بعهدة رابعة في منصب رئيس الفيفا – إلى أن سفينة الإتحاد الدولي لكرة القدم تترنّح وتصارع الرياح والأمواج، ولكن العجوز (79 سنة) السويسري الماكر لم يكن يتحدّث عن الفساد وإنّما عن “خصومه” الذين حالوا دون تشبّثه بالزمام الإداري لمبنى زوريخ الكروي.
أُزيح الستار وبرزت عدة حقائق للرأي العام الدولي بعد طوفان الفساد الذي جرف الفيفا سنة 2015، فمثلا عبارة “حقوق البث التلفزيوني” أصبحت إحدى المفردات التي تعني “الطرق الملتوية” و”حلب” العائدات المالية من ضرع الشعوب المستضعفة وميزانيات بلدان العالم الثالث المتهالك. مثلما صارت عبارة “تعيين مستضيف المونديال” مرادفة لـ “الغش” و”اللعب تحت الطاولة”، بدليل أن الشكوك حامت حول كل نسخ كأس العالم من طبعة فرنسا 1998 إلى استحقاق البرازيل 2014، كما أن التحقيقات ما تزال جارية لتبديد الضباب الذي يلفّ هذه البطولة العالمية.
الرّهط المتوحّش
لم يجد أسطورة الكرة الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا من وصف للفيفا – في عهدة بلاتر تحديدا – سوى القول إنها منظمة تضم عصابة من “المافيا” ورّهط من “الديناصورات” يمتصّون رحيق ومزايا الإتحاد الدولي لكرة القدم، على غرار قطف ثمار تنظيم كأس العالم للأكابر والأواسط والأشبال ومثله لدى فئة الإناث، ومونديال الكرة الشاطئية والكرة داخل القاعات، وعائدات البث التلفزيوني، والشركات الراعية، وتذاكر المقابلات و…
وربما الذي يجهله بعض متابعي الكرة، أن بلاتر وإطارات الفيفا لما يضغطون على مستضيف المونديال بالمسارعة في تشييد الملاعب ومراكز التدريب وغيرها من المرافق، فهم يريدون نصيبا آخر من “الحلوى”، من خلال منح أصدقائهم وزبائنهم “المقاولين” جزء من هذه المشاريع، والأمر ذاته مع وكلات الأسفار والسياحة، ما يعني أن هناك تواطئا رأسماليا كلبيا قذرا.
شريعة “راعي البقر جون واين”
أظهرت دول من “القوى العظمى” – مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا – نواياها بوضوح في مكافحة فساد الفيفا. فأمريكا أصرّت على تجسيد دور “دركي العالم” أو “راعي البقر” الذي يطارد الخارجين عن القانون، كمحاولة لإستعادة الهيبة والكبرياء المفقودين، خاصة وأن دورها الديبلوماسي وثقلها السياسي بدآ يتلاشيان (ملفات: المشرق العربي، الربيع العربي، الربيع الإفريقي.. صارت تتحكم فيها قوى آخرى). حيث داهمت شرطة “العم سام” أواخر ماي الماضي مقر اتحاد الكرة لمنطقة “الكونككاف” (أمريكا الشمالية والوسطى والكاراييب) واعتقلت عددا من إطاراته بتهم الفساد، أو طلبت من سلطات سويسرا – حيث يقع مقر الفيفا – أن تنوب عنها في تمثيل هذا الدور “البوليسي”، فضلا عن استدعاء بعض إطارات الفيفا واتحادات كروية قارية لمحاكمتهم فوق التراب الأمريكي.
أما إنجلترا (جزء من بريطانيا العظمى) فهي لم تهضم خسارة سباق تنظيم مونديال 2006 الذي فازت به ألمانيا، فكيف تقبل الهزيمة أمام “الجيرمان” (الحربان العالميتان الأولى والثانية)؟ ثم خاضت نفس السباق وخسرته – مجدّدا – أمام روسيا والأمر يتعلّق بمونديال 2018، في صفعة أخرى تلقتها هذه المرة من “الخصم الإيديولوجي الشيوعي” سليل الإتحاد السوفياتي. وهو ما ألّب إنجلترا لإشعال فتيل الحرب على الفساد الكروي. ومعلوم أن بريطانيا ماتزال تؤمن أنها “إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس” وبالتالي لا تقبل بمثل هذا النوع من الرهانات الخاسرة.
.. و ماخفي أعظم!
ولأن منسوب الفساد بلغ أعلى مستوياته في تاريخ الفيفا، ومع كثرة الإتهامات وتعدّدها ووفرة النماذج، فسنكتفي بذكر عيّنات (بعض الإطارات، وجزء من الإتهامات) تبرز الجو الموبوء الذي بات يخيّم فوق مبنى زوريخ الكروي الدولي.
1- السويسري جوزيف بلاتر رئيس الفيفا (79 سنة) والفرنسي ميشال بلاتيني (60 سنة) رئيس الإتحاد الأوروبي لكرة القدم وعضو باللجنة التنفيذية للفيفا: دفع الأول للثاني مبلغ 1.8 مليون أورو (أزيد عن 21 مليار سنتيم) نظير عمل قام به بلاتيني (مستشار) لمصلحة الفيفا ما بين 1999 و2002. ولكن لجنة أخلاق الفيفا تقول إن العملية لفتها شبهات الفساد كون بلاتر قدّم المبلغ متأخرا عام 2011 حتى يصرف زميله الفرنسي عن الترشح لإنتخابات رئاسة الفيفا في منتصف تلك السنة.
2- جاك وارنر من ترينيداد وتوباغو (72 سنة): منح صفقات تشييد ملاعب ومراكز تدريب مونديال الأشبال 2001 لبعض أصدقائه المقاولين (تبادل المنافع)، مع الإشارة إلى أن الدورة أجريت ببلاده. كما منح شقيقه – الذي يملك وكالة سياحية – امتياز التصرّف في بيع التذاكر داخل الوطن وخارجه. وكان وارنر قد ترأس اتحاد الكرة لـ “الكونككاف” (أمريكا الشمالية والوسطى والكاراييب) ما بين 1990 و2011، وأيضا كان عضوا باللجنة التنفيذية للفيفا ما بين 1983 و2011 ونائب رئيس الإتحاد الدولي للعبة.
3- الأمريكي تشوك بلازر (70 سنة): منح إبنيه (ذكر وأنثى) وظيفتين على المقاس (الطرق الملتوية) باللجنتين الطبية والقانونية للفيفا. لما كان الأمين العام لـ “الكونككاف” من 1990 إلى 2011، وعضوا باللجنة التنفيذية للفيفا ما بين 1997 و2013. ويُرَوّج على أن هذا الرجل كان “جاسوسا” يشتغل لمصلحة المخابرات الأمريكية في الفيفا.
4- الكاميروني عيسى حياتو (69 سنة): رئيس “الكاف” منذ 1988 وأيضا رئيس الفيفا مؤقتا منذ أكتوبر الماضي. الذي أكد في جوان الماضي بأن سلطات قطر منحته 1.8 مليون دولار (أزيد عن 19 مليار سنتيم) على هامش تنظيم أنغولا في جانفي 2010 لـ “الكان”، نافيا أن يكون المبلغ رشوة. وقد تفنّن في “ضرب الدف بكرة وأصيلا” للخليجيين، والتصويت على ملف قطر لإحتضان مونديال 2022 (الإنتخابات أجريت في ديسمبر 2010)، فضلا عن التكفل بعلاجه وامتيازات أخرى. وحينها كان حياتو عضوا باللجنة التنفيذية للفيفا ويحق له التصويت.
5- الأوروغواياني أوجينيو فيغيريدو (83 سنة): نائب سابق لرئيس الفيفا، ورئيس اتحاد الكرة بأمريكا الجنوبية ما بين 2013 و2014. كان يقبض شهريا ما قيمته 50 ألف دولار (أزيد عن نصف مليار سنتيم) بعد أن باع حقوق البث التلفزيوني للمسابقات التي تنظمها هيئته إلى شركة تسويق خاصة، بالطرق الملتوية (وهذا بدون احتساب مرتباته الشهرية ومنح وامتيازات أخرى تتعلّق بالمنصب).
6- دَفْع الألمان غلاف مالي قيمته 6.7 مليون أورو (أزيد عن 78 مليار سنتيم) لإطارات قارة آسيا باللجنة التنفيذية للفيفا، حتى يصوّتوا لصالح ملف احتضان بلاد “الجيرمان” لمونديال 2006.
7- استلام 48 إطارا ينتمي إلى الفيفا ساعات سويسرية فاخرة قيمة الواحدة منها 20 ألف أورو (أزيد عن 229 مليون سنتيم)، منحتها اللجنة البرازيلية لتنظيم مونديال 2014، وذلك عشية انطلاق البطولة. وقد أمرت لجنة الأخلاق بالفيفا شهر نوفمبر الماضي بإرجاع “الهدايا- الرشوة”، وتمّ تحويلها إلى أرصدة بنكية ولمصلحة نشاطات خيرية.
إصلاحات جادّة أم إدامة التعفّن؟
يجرى الآن في بيت الفيفا التحضير لإنتخابات رئاسة الإتحاد الدولي لكرة القدم، المبرمجة في الـ 26 من فيفري المقبل بمقر الهيئة الذي يقع بمدينة زوريخ السويسرية. بعد أن تمّت تنحية الرئيس جوزيف بلاتر والفرنسي ميشال بلاتيني رئيسي الإتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي كان يعتزم الترشح لخلافته، وأُبْعِدا مؤخرا لمدة 8 سنوات يمنعان خلالها من ممارسة أي نشاط له صلة باللعبة.
ويرى خبراء للكرة وتسيير هذه الرياضة على المستوى الدولي أن الفيفا بحاجة إلى إصلاحات “ثورية” على غرار التغيير نحو الأحسن لطرق تعيين رئيس هذه الهيئة والإطارات التي تشتغل معه، وإعادة النظر في كيفية صنع القرار بأسلوب ديموقراطي نزيه، وكذا انتخابات مستضيفي دورات المونديال، ومراقبة حركة الأموال الضخمة التي تستفيد منها الفيفا، مع كشف – وبدقة – من يستفيد منها، ومحاربة الثراء السريع والفاحش لإطارات الإتحاد الدولي لكرة القدم من خلال تطبيق مبدأ الشفافية، وإلغاء تقسيم العالم إلى مناطق خلال بيع حقوق البث التلفزيوني، لأن الفساد لوّث هذه العملية وما عاد أمر نزاهتها يُصدّق، وغيرها من الإجراءات العملية الإيجابية. ذلك أن خوض معارك “دونكيشوتية” وهمية قد يعيد الفيفا بأميال إلى الوراء، كالجدل البيزنطي حول استعمال كاميرات خط المرمى، وترقية الرياضة النسوية، والنهوض باللعبة في جزر مجهرية عادت ما تصلح للسياحة والسينما…والتهرّب الضريبي وتبييض الأموال.