الجبهة الوطنية بلا برنامج.. لكنها البديل المرّ للفرنسيين
حقّق اليمين المتطرف ممثلا في حزب الجبهة الوطنية الذي تتزعمه مارين لوبان، فوزا واسعا أول أمس في انتخابات المجالس الجهوية للمناطق الثلاثة عشرة، بعد فرز أصوات الدور الأول، والذي بلغت نسبة المشاركة فيه 50.09 %، في تصاعد طفيف جدا بالمقارنة مع نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة في 2010 بنقطة واحدة، وخلصت النتائج الأولية للدور الأول لهذه الانتخابات لاحتلال حزب الجبهة الوطنية الصدارة في سبع مناطق من أصل 13 منطقة، ويمثل ذلك نتيجة متوقعة من طرف العديد من الملاحظين والسياسيين.
ومع أنّ تقدم اليمين المتطرف كان متوقعا نسبيا بالنظر للأحداث الأخيرة التي عرفتها فرنسا في أعقاب هجمات باريس، لكن الاكتساح العريض بهذا الحجم شكّل مفاجأة كبيرة، في ظلّ منافسة شرسة بين الأحزاب المتنافسة الكبرى، والتي تجسّدها الحزب الاشتراكي، وهو الحزب الحاكم، حزب الجمهوريين الذي يتزعمه نيكولا ساركوزي، والذي يجمع أطيافا كثيرة من اليمين، ثم حزب الجبهة الوطنية الذي تتزعمه مارين لوبان، بالإضافة إلى الإيكولوجيين وأحزاب اليسار المتطرف .
وتأتي هذه الانتخابات، حسب ما يؤكد الباحث في علم الاجتماع السياسي بجامعة “باريس 8″ الدكتور إزدارن فيصل لـ”الشروق”: “في ظرف مميز وصعب على كل الأصعدة، فالجبهة الاجتماعية مهترئة، الوضع الأمني متأزم والوضع الدولي تشوبه بؤر توتر وغموض”، وتكمن أهمية هذه الانتخابات – حسب الدكتور إزدارن- في كون المناطق الثلاثة عشر تكتسي أهمية سياسية كبيرة بمقتضى التقسيم الإداري الجديد لهذه المناطق، وأيضا لجملة الصلاحيات التي تنازلت الدولة عليها لصالح المجالس الجهوية في تسيير المشاريع الحيوية والتصرف في المال العام في أطار مشروع لامركزية التسيير التي باشرها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران سنة 1980، على حدّ قوله.
وفي قراءة تحليلية لنتائج هذه الانتخابات الجهوية، يعتقد الدكتور إزدارن، أنها “عكست تآكل الوعاء الانتخابي لليسار”، وذلك برأيه بفعل “فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات الماضية، فمشكل البطالة لا زالت معضلة بنيوية حقيقية ليس للحزب الحاكم فقط ولكن لكل الحكومات السابقة، بمعدل يقدر بـ10.2% من القوى العاملة، لازال في تصاعد رغم كل الإجراءات التي باشرتها الحكومة الحالية وأيضا رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند، وحجم المديونية العمومية التي تجاوزت 2087 مليار أورو بحلول 2015″، بالإضافة إلى “تعثر الإقلاع الاقتصادي بسبب انعدام التنافسية الاقتصادية أمام ألمانيا وبريطانيا واقتصاديات متنامية أخرى، رغم أن الرئيس هولاند حاول القيام بعدة مناورات على الجبهة الخارجية لاستعطاف الرأي العام الداخلي، وقد نجح في ذلك، ولكن ليس بالقدر الكافي الذي يمكّنه من تعبئة الرأي العام الفرنسي للتصويت لصالح حزبه“.
أما بالنسبة لنتائج حزب الجمهوريين، فيرى الدكتور إزدارن أنها تمثل زيادة في تحجيم وعائه الانتخابي واستقراره لدى فئة أرباب العمل وحاملي مشاريع الصغار وكذا فئة المتقاعدين، وهم الفئات التقليدية لليمين “لعل ما آل إليه حزب الجمهوريين من ضعف يعود إلى النزاعات والصراعات الإيديولوجية التي عرفها الحزب في حلته القديمة (من أجل حركة شعبية)، وخاصة عند اعتلاء ساركوزي رئاسة الحزب تبنى بعض المواقف التي تحسب على حزب الجبهة الوطنية المتطرف، وعوض أن يقترح حلولا ناجعة ومقنعة للمشاكل الواقعية للفرنسيين، قام بتبني بعض أطروحات اليمين المتطرف، وعلى سبيل المثال لا الحصر موضوع الهوية الوطنية، المهاجرين وما يُعرف بالمد الإسلامي على حد تعبيرهم“.
الجبهة الوطنية أو البديل المر
فيما يخص حزب الجبهة الوطنية، لاحظ الباحث في علم الاجتماع بالجامعة الفرنسية “اتساع رقعة مناصري اليمين المتطرف خاصة ضمن فئة الشباب البطال والطبقة الشغيلة، من خلال الفوز في منطقة نور بادي كالي- بيكاردي في الشمال ومنطقة بروفونس آلب – كوت دازور في الجنوب”، لكن الدكتور إزدارن يشدّد على أن “حزب الجبهة الوطنية لا يحوز برنامجا سياسيا واقتصاديا واضحا، ولكنه أحسن استغلال الأوضاع الحالية من خلال اعتماد خطاب انتخابي يرتكز أساسا على التخويف من الأجانب وشيْطَنة ما يُعرف بالإسلام السياسي والجالية المسلمة في فرنسا”، حيث انتقدت “الجالية المسلمة في تعاطيها مع الدين الإسلامي”، علماً “أن الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في جانفي ونوفمبر من العام الحالي كانت في صالح اليمين المتطرف باستغلاله الإحساس باللاأمن لدى المجتمع الفرنسي”، مثلما يرى المتحدث.
وبشأن الدور الثاني المرتقب، يؤكد فيصل إزدارن أن كل التوقعات تشير إلى فوز حزب الجبهة الوطنية ببعض المناطق، وحتى وإن لم تحقق الفوز المنتظر، فعلينا “أن نفهم إستراتيجية مارين لوبان التي تمتد على المدى المتوسط والبعيد فلديها نَفس طويل واعتمدت إستراتيجية سياسية، بدأت بتفكيك حملة الشّيْطنة التي تعرضت لها، ثم بدأت بتصويب أولوياتها السياسية وتخليها عن معاداة الحزب لليهود وانتقلت إلى شن حملتها على الإسلام وكل ما يرمز للإسلام والأجانب”، على حدّ قوله.