البرلماني المثقف في الجزائر: مهمة تكليف أم بريستيج
يشكلّ البرلماني قناة ناقلة لانشغلات المواطن في أي دولة، بغض النظر عن ميزته كمثقف أو متعلّم، لكن نائب البرلمان في الجزائر يتخبط بين التشريف والتكليف، كما أنّ المثقف في الثلث الرئاسي وقع بين الواجب ومكافأة نهاية الخدمة، فهل فعلا كان البرلماني صوت “الغلابة” في هذا الوطن، أم أنّه مجرد بوق أمام رياح “السلطة”، وما حقيقة علاقة النخب السياسية بقطاع الثقافة، وإلى أي مدى نجح المثقفون في مجلس الأمة في تغيير أو تعديل قوانين في هذا الميدان الحسّاس الذي يشكلّ آخر اهتمامات النواب الآخرين. هذا الملف إرتأت “الشروق” أن تناقشه مع عدد من المثقفين الذين دخلوا قبّة “البرلمان” في عهدات مختلفة.
الكاتب والبرلماني والوزير الأسبق عزالدين ميهوبي
فشلت في إحداث تعديلات على قانون المالية بخصوص صناعة الكتاب
أولا يجب التفريق بين البرلماني المثقف والمتعلم، فعندما نقول المثقف يعني الذي يقدّم قيمة مضافة تتجسد فيما ينتجه من فكر وأدب وفنون تشكيلية ورسم وسينما ومسرح وغيرها من جوانب الإبداع، أمّا البرلماني المتعلّم فذاك الذي يحوز على شهادة ويمتلك معرفة .
وبالتالي فإنّ المثقفين في البرلمان الجزائري قلّة قليلة، والكثير من المثقفين لا يحبذ أو لا يحب العمل السياسي أو الحزبي، ولهذا تجد في العهدة البرلمانية عددا قليلا من الذين يعرفون عالم الثقافة والإبداع. وأعتقد في السياق بأنّ ممارسة العمل البرلماني مهمة جدا، حيث يمكنه التعبير عن خصوصية الجانب الثقافي وما يتصلّ به، لاسيما وأنّ بعض النواب أحيانا لا يعيرون مجال الثقافة والفن اهتماما كبيرا.
وأظنّ بأنّ العدد القليل من البرلمانين المثقفين قادرين على التأثير في بعض القوانين وتغييرها، وأذكر أنني رفقة الصديق الكاتب محمد مفلاح، كنّا نائبين في العهدة البرلمانية سنة 1999، حيث سعينا حينها إلى إحداث تغييرات وتعديلات على قانون المالية، فيما يتعلق بالشأن الثقافي، سيما على مستوى صناعة الكتاب “طبع ونشر وتوزيع”، من خلال تشجيع المستثمرين الخواص في ميدان الطباعة والنشر بتخفيض الرسوم وغيرها من النقاط المهمة من أجل إحداث وإنشاء صناعة وطنية حقيقية للكتاب في بلادنا لهذا الحقل المهم، إلا أنّنا لم نوّفق فيما سعينا لأجله، لأسباب كثيرة أبرزها قلّة عددنا، بحيث لم نستطع التغيير ولم يتم الإجماع على ما تقدمنا به .
وبخصوص هل استطاع البرلماني المثقف أن يقدّم أو لم يستطع فعل شيء لقطاع الثقافة؟، أعتبر بأنّ النائب البرلماني المثقف لا يمكنه أن يقدّم وإنّما يسعى ويجتهد في تعديل قانون أو اقتراح قوانين، ونقاط أخرى، تصبّ في مصلحة قطاعي الثقافة والفنون، على جميع الأصعدة، لذلك تبقى الإجابة نسبية، فالبرلماني في اعتقادي حاول أن يفعل ما أمكن، لكون الثقافة من جهة ثانية تبقى لها نوافذ تشجيع ودعم اختزلت جهود نواب البرلمان وأبرزها أنّ رئيس الجمهورية قد أقرّ سياسة واستراتيجية لدعم مجال الثقافة بشكل كبير من خلال رفع حصصها ونسبها وتدعيم سياسة الكتاب وتشجيع السينما والمسرح وغيرها من أنواع الدعم الموجهة لهذا القطاع الحساس.
النائب السابق عطا الله
رافعنا لتطوير القطاع لكن لا حياة لمن تنادي
بداية البرلمان عبارة عن كتل ولجان، وبرلماني واحد في لجنة ثقافية لا يقدّم ولا يؤخر شيئا، عكس إذا كان هناك مثلا 24 برلمانيا مثقفا أو فنانا فيمكنهم التأثير، لذا أشدد أنّ برلمانيا من ضمن 389 عضو في البرلمان “ما يقدر إدير والو”، وأتحدث في الصدد عن العهدة الأخيرة ” 2007 ـ 2012″، لأنّ الكتلة الكبيرة تسيطر على الكتلة الصغيرة، فعلى سبيل المثال لم يستطع البرلمان أن يجرّم الاستعمار وغيره من الأمور التي لم يقدر على تغييرها.
بالنسبة لي وأنا المترشح عن كتلة الأحرار، كانت لدي مواقف عديدة منها معارضتي لقدوم الفنانة اللبنانية هيفا وهبي للجزائر، حيث قمت بمناقشة القضية في المجلس الشعبي الوطني وطرحت الأسباب، واستطعت إقناعهم بأنّ زيارتها للجزائر عار، خاصة وأنّ بلادنا تملك كبار الفنانين والمطربين ولذلك لا داعي لتغييبهم وتهميشهم باستدعاء هيفاء وهبي.
من جهة أخرى، كبرلماني سابق وفنان في الوقت نفسه لم يقتصر دوري فقط على الدفاع عن الفن والثقافة، بل حققت بعض الإنجازات لمواطني ولاية الجلفة، فكانت لدي هناك 3 مكاتب مداومة واشترينا سيارة إسعاف للمرضى، كما شاركنا في توزيع قفة رمضان ولبينا انشغالات مواطني مدينة الجلفة، وأودّ الإشارة إلى أنّي أقدم مداخلات عديدة تجاوزت العشرين، ومدة كل واحدة 6 دقائق، أناقش فيها مع أعضاء الحكومة قضايا مختلفة تتعلق بالمشاكل المحلية والوطنية.
أمّا بالنسبة لقطاع الثقافة والفن فإنّني رافعت لتطور هذا القطاع مرارا وتكرارا، انطلاقا من مشاريع الحديث عن صناعة الكتاب وتفعيل قانون الفنان وغيره، إلى جانب تشخيص انشغالات مواطني الجلفة وباقي الجزائريين بصفة عامة، لكن لم يجد ما نقلناه أذانا صاغية من طرف الحكومة، وبالتالي لا حياة لمن تنادي لأنّ الفنان الجزائري بات ينظر إليه بنظرة سلبية، نشاطه هو إحياء حفلات وسهرات فحسب، ويعتبره البعض كما يقال بالعامية “خارج الطريق”، دون أن يعلموا بأنّ الفن يحمل رسائل هادفة وتربوية وتوعوية وتثقيفية، لدرجة أنّ الناس أو الآباء يمنعون أولادهم للذهاب إلى المراكز الثقافية بسبب الصورة الخاطئة والمشوهة التي ينظرون بها إلى الثقافة والفن في الجزائر، فهل يعقل أن يسنّ مرسوم لـ”البطاطا”؟، وتهمل جوانب كثيرة مهمة في حياة الجزائري، ففي اعتقادي بأنّ القضية تتعلق بالأخلاق والتربية وتعزيز فرص الاستثمار في الفرد.
الفن للأسف لم يأخذ حقه في بلادنا، فهم لا يفرقون بين الفن الهادف الملتزم والرداءة، حتّى أنّ الديوان الوطني لحقوق التأليف والحقوق المجاورة “أوندا” لا يراقب بشكل جدّي ما ينتج في المجال الفني والثقافي، ما فتح الباب على مصراعيه لأصحاب الرداءة، ومن بينهم بعض مغنييّ “الراي” الذين ارتبطت بهم أزمة الفنان الحقيقي اليوم، فالحمد لله أنا واحد من الذين تربوا في كنف المسرح ولم أكنّ كما يعتقدون.
البرلماني والمستشار السابق بوزارة الثقافة محمد سيدي موسى:
البرلماني نجح في معالجة احتياجات المواطن الثقافية
ما يقدمه البرلماني في قطاع الثقافة، لا يختلف عمّا يطرحه ويعالجه في قطاعات أخرى، سواء سياسية أو اجتماعية أو محلية، وبالنسبة للجانب الثقافي على مدار العشر سنوات الأخيرة أو أكثر، فإنّ دور البرلماني لا يمكن إغفاله قد لا يكون جلّيا بنسبة كبيرة للجمهور أو للشعب، لكن جزءا من مهمته تكمن في تقديم مقترحات وتعديل مشاريع قوانين متعددة في مجال الثقافة والفن، كما يظهر عمله من خلال المساءلات والاستجوابات التي يقوم بها في جلسات البرلمان للوزراء والمعنيين بقطاع الثقافة في بلادنا، وفي هذا الصدد فالبرلماني يعدّ الأقرب إلى المواطن، لذلك ينقل انشغالاته وهمومه في أي مجال سواء الثقافي، كما يحرص على تفعيل البرامج الثقافية المعطلة والمبرمجة التي تهمّ المواطن.
من جهة أخرى، أعتقد بأنّ البرلماني في الجزائر نجح إلى حدّ بعيد في طرح مشاكل المواطن الثقافية والفنية، لأنّ ما يمكن أن يغفله المسؤول التنفيذي عليها، لا يتوانى البرلماني في طرحه ومعالجته مع أولي القطاع، خاصة في الولايات الداخلية والقرى والمداشر من خلال تقديم مقترحات لإنشاء مكتبات ودور ثقافة ودور شباب وغيرها من الأمور التي تندرج في هذا القطاع الحساس، وبالتالي استطاع البرلماني المثقف أو البرلماني بصفة عامة بأن ينقل الانشغالات والمشاكل الثقافية على المستوى المحلي لولايته أو على المستوى المركزي.
البرلمانية والوزيرة السابقة زهور ونيسي
النتائج كانت ملموسة لكن لم ننجح
أعتقد أن قضية البرلماني الجزائري بين التكليف والتشريف، هي أمر ومسألة تعود إلى الشخص نفسه، فإذا كان يحب “البريستيج” أو التكليف، وهو حرّ في إختياره، وبالتالي البرلماني المثقف هل يكون فعلا مكلفا ويتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه؟ في مجال الثقافة من خلال اقتراح قوانين وتعديل أخرى، وتقديم نشاطات وتنظيم مبادرات وبرامج هادفة تتعلق بالقطاع وتطويره، وتعنى أيضا بطبقة المثقفين والفنانين على حد سواء، أمّا إذا اختار البريستيج والتشريف وملء الفراغ فقط، بعيدا عن روح المسؤولية والقضية التي يفترض أنّه يعمل عليها، ودخل البرلمان لأجلها، فهذا الأمر يرجع إلى من كلّفه بهذا، وعيّنّه بالمجلس الشعبي الوطني.
لا يمكنني الحديث عما قدم البرلماني المثقف لقطاع الثقافة في الجزائر، خلال السنوات الماضية، لأنني أجهل ذلك بدقة، لكن يمكنني الحديث عن العهدة التي كنت فيها برلمانية، وهي من سنة 1977 إلى غاية 1982، فبالفعل كنّا أنا وزملائي مهتمين بالجانب الثقافي، حيث كنّا نرافع دائما وفي كلّ الجلسات لهذا القطاع، حيث رافعنا بضرورة إدخال الكتاب إلى الجزائر، رغم الصعوبات الكثيرة التي شهدتها تلك الفترة، لاسيما العدد الضئيل لدور النشر الجزائرية، وبالتالي هذا ما جعلنا نناضل لإدخال الكتاب إلى المكتبات عبر التراب الوطني، بكلّ ما يضمه من محتويات، أي جميع أصناف الكتب العلمية والاقتصادية والسياسية والأدبية والفكرية وغيرها، فضلا عن دفاعنا عن ضرورة إدخال الآلات الموسيقية التي كان عددها محدودا في بلادنا، ولا يستطيع الفرد شراءها إلا إذا سافر إلى الخارج، أو جلبها له الأصدقاء من هناك، وذلك بهدف تعميمها على البلديات لتنمية المعاهد التي تمتلكها.
كما ناقشنا البرنامج الثقافي المسطّر وما سينجز منه، من خلال النقد الإيجابي والذاتي البنّاء، ما أعطى في تلك الفترة نتائج ملموسة، وأشير فقط إلى أنّه يجب على وزير الثقافة أن يعلم ماذا يجري في قطاعه، على مستوى دور الثقافة والبلديات وغيرها، ومحتواها في الغالب فارغ، ومن المفروض أنّ الوزير يكون داريا بها، وبالنسبة لنجاحنا من عدمه فأعتقد بأنّنا لم نوفق كثيرا.
محمد مفلاح روائي وبرلماني سابق:
البرلماني “دونكيشوت” في مواجهة طواحين السلطة
إنّ عضويته في البرلمان هي مهمة تمثيلية قبل كل شيء بغض النظر عن ميزته كمثقف أي منتج للثقافة، ويلجأ المجتمع إلى هذه المهمة لإحداث سلطة تشريعية قوية تندرج ضمن التوازن بين سلطات الدولة. وتعد هذه المهمة مسؤولية يتحملها البرلماني أمام منتخبيه، ويحاسب على أدائها وهي أيضا تشريف يتمثل في هذا التمثيل لمواطنيه على أعلى مستوى في هرم الدولة، ولكن في بلادنا، وبعد تمييع كل المفاهيم، فلم يعد للبرلماني المثقف وغيره، هذه المكانة المتميزة التي تحدثت عنها في شقيها السابقين، فقد شوهت كلمة النائب وأصبح “النايم”، وتحوّل البرلماني في نظر الناس إلى راتب وامتيازات مادية فقط، بالتالي ظهر مرشحون لهذه المهمة همهم الوحيد الحصول على العضوية لتحقيق مكاسب مادية.
وقد أسهمت السلطة التنفيذية في تشويه صورة البرلماني حتى تضعفه أمام منتخبيه، والرأي العام الوطني، وقد استغلت بعض المنابر الإعلامية في ذلك. واليوم صار البرلماني مثل دونكيشوت في مواجهة طواحين السلطة، ولم يعد له أي نفوذ في تبني انشغالات الشعب، ومن خلال الإضرابات والتوترات الاجتماعية والمطالب، نلاحظ أن البرلماني صار على هامش السيرة، ولا يظهر له بعض التأثير إلا لحظة التصويت على القوانين التي تقدمها الحكومة فقط، والبرلماني حتى وإن كان مفكرا كبيرا أو مبدعا متميزا في هذا الجو الذي اختلط فيه الحابل النابل أن يجد من يسمع صوته.
أما إسهاماته في قطاع الثقافة فهي تأتي في آخر انشغالات البرلمانيين الغارقين في كل الأوقات في هموم التنمية المحلية والمشاكل الاجتماعية، وكل المبادرات لتنمية هذا القطاع كانت من طرف الحكومة، فلم يقدم أي برلماني مشروع قانون ينهض بهذا القطاع ويحمي صناعة مختلف الأعمال الإبداعية، وخلال عهدتي حاولت مرات مع زملاء مثقفين أن أتقدم مشروعا إثراء لقانون حقوق المؤلف، وتعديلات تخض الضرائب على الإنتاج الثقافي كالكتاب مثلا، أو تأسيس هيئات وطنية تتكفل بهموم المفكرين والمبدعين المنتجين للثقافة، ولكنني اكتشفت أمام هذا الوضع المنصب على التنمية بمفهومها المادي أن ذهنية السياسي بصفة عامة، لا يرى في الثقافة إلا تسلية في مجتمع توجه جل أفراده بفعل الدعاية ووسائط التواصل الاجتماعي إلى مستهلكين يطالبون بالمزيد.