حسني عبيدي: مصلحة البلدين في ترك القضايا الخلافية والاهتمام بالمسائل الوفاقية
تتوالى دعوات مسؤولي كل من الجزائر والمغرب في كل مناسبة، إلى تطبيع العلاقات الثنائية المتعثرة منذ منتصف التسعينات، غير أن تجسيد هذه الدعوات على أرض الواقع لا يزال بعيدا، والدليل استمرار بقاء الحدود البرية مغلقة.
-
آخر هذه الدعوات صدرت أول أمس، بمناسبة عيد العرش المغربي، وقد دشنها العاهل محمد السادس، الذي قال إن بلاده عاقدة العزم على العمل من أجل “تذليل العقبات” التي تعرقل تطبيع العلاقات الثنائية، من خلال “ديناميكية جديدة منفتحة على تسوية كل المشاكل العالقة بما فيها فتح الحدود البرية”.
-
ولم تمرّ سوى سويعات قليلة، على دعوة العاهل المغربي، قبل أن يرد عليه الرئيس بوتفليقة برسالة أخرى بمناسبة عيد العرش، عبر فيها عن رغبة الجزائر أيضا في “بناء علاقات نموذجية مع المغرب، كفيلة بخدمة المصالح المشتركة للبلدين”، غير أنه لم يتطرق إلى مسألة الحدود المغلقة والطلب المتكرر للمغرب بفتحها.
-
فلماذا هذه الهوة الواسعة بين التصريحات وبين التجسيد على أرض الواقع؟ وما مدى جدية البلدين في فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية، سيما وأن الجزائر والمغرب محكومان بمنطق التاريخ والجغرافيا بضرورة التعايش والتقارب، أن كل هذه التصريحات الهدف منها إلقاء اللوم على الآخر، والسعي لإحراجه أمام الأسرة الدولية.
-
بالنسبة للمحل السياسي وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة المحمدية، محمد ظريف، فإن تطبيع العلاقات الجزائرية المغربية مرهون بالتطورات التي تمر بها القضية الصحراوية، هذه القضية التي يبقى ثقلها واضحا ومؤثرا على العلاقات بين الجزائر والرباط.
-
يقول محمد ظريف: “حقيقة هناك عقبات عرفها مسار العلاقات الثنائية، مثل فرض المغرب التأشيرة على الجزائريين، ورد الجزائر بغلق الحدود البرية في 1994، غير أن القضية الصحراوية يبقى أثرها أكثر من غيره من المؤثرات”.
-
ويضيف: “كان الموقف المغربي في البداية يرهن تحسين العلاقات بحل القضية الصحراوية في إطار يضمن الوحدة التربية للمغرب، غير أنه وبعد التطورات التي عرفتها هذه القضية على مستوى التعاطي الأممي، وبروز ما يعرف بمشروع الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية، انقلبت المعطيات، وأصبح الطرف الجزائري هو الذي يطالب بإيجاد حل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مقابل تطبيع العلاقات الثنائية”.
-
ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة المحمدية أن التطورات التي تشهدها منطقة المغرب العربي وكذا التحولات التي يعيشها العالم، كفيلة بمراجعة البلدين لمواقفهما المتصلبة بشأن تطبيع العلاقات، ويعتبر الأزمة الأمنية التي تعيشها المنطقة المغاربية والشمال إفريقية، عاملا يفرض التقارب بين الجزائر والرباط، كما أن التكتلات الإقليمية والجهوية التي يعيشها العالم كفيلة بتطبيع العلاقات الثنائية، حفاظا على مصالح البلدين.
-
من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي، حسني عبيدي، مدير مركز الدراسات والأبحاث حول الوطن العربي والمتوسط بيويسرا، أن ربط تطبيع العلاقات بين الجزائر والرباط، بتسوية مسألتي الصحراء الغربية والحدود البرية، مضر بالمصالح العليا للبلدين، ويدعو إلى تقوية التعاون التقني والقطاعي باعتبارهما يساهمان في الوصول لانفراج.
-
الخبير الاستراتيجي يعتقد أن أفضل مخرج للأزمة التي تطبع محور الجزائر ـ الرباط، يكمن في ” طرح القضايا الخلافية جانبا، على غرار القضية الصحراوية، التي توجد على مستوى الأمم المتحدة، والتفكير في إنشاء لجنة مشتركة بين البلدين، مهمتها التفكير في فتح الحدود، لأنه من غير المعقول أن تبقى الحدود مغلقة إلى ما لا نهاية”.
-
وبالمقابل، يدعو حسني عبيدي إلى التركيز على المسائل التي حاصل بشأنها وفاق، ويشير في هذا الإطار إلى الزيارات المتبادلة التي قام بها عدد من الوزراء في البلدين، كتطوير التعاون في القطاعات الاقتصادية، وخاصة تشجيع الزيارات بين الجامعيين والإعلاميين باعتبارهم الجهة القادرة على التأثير في توجهات الرأي العام.
-
وبرأي المحلل الإستراتيجي، فإن الأحزاب السياسية والنقابات العمالية قادرة أيضا على التأثير في صناع القرار، من خلال المبادرات التي يمكن أن تطرحها، مستأنسة بالدور الذي لعبته الحركة الوطنية وحزب الاستقلال المغربي، في الدعوة إلى إقامة وحدة مغاربية في الخمسينيات.