بعد أن أصبح فضاء مهملا سياحيا وتجاريا

سلطات العاصمة تطلق مشروعا لإحياء مقام الشهيد

date 2018/01/11 views 4546 comments 12
  • أطلقت ولاية الجزائر ووزارة الثقافة مشروع ''إنقاذ'' رياض الفتح
author-picture

icon-writer روبرتاج: إيمان بوخليف

في الوقت الذي تراهن الكثير من الدول الأوروبية والعربية على معالمها الثقافية والتاريخية من أجل تشجيع السياحة وجلب السياح الأجانب، خصوصا بعد أزمة البترول التي ضربت العالم.. وتناسى المسؤولون الجزائريون الاهتمام بـ''مقام الشهيد'' الذي تطلب تشييده ملايير الدينارات، حيث كان في وقت سابق رمزا للجزائر وثورتها، ولكن بعد مرور سنوات تعرض المعلم إلى الإهمال وعزوف الزوار، ويبقى السؤال المطروح: إلى متى يبقى الإهمال سيد الموقف؟

يتربّع ''رياض الفتح'' على عرش ''صالومبي'' وهو يطل على حي الحامَّة مشتركا مع بلوزداد وعلى حديقة التجارب، يتألف الشكل الهندسي لـ''المقام'' كما يحلو للعاصميين مناداته من ثلاثة أركان أو أعمدة مائلة وعند كل ركن نجد تمثالا يرمز إلى إحدى حقب الثورة التحريرية، يحلق على ارتفاع 92 مترا والسعفات الثلاث يبلغ طولها 47 مترا وقطرها المصنوع على طراز الفن الإسلامي يبلغ 10 أمتار وارتفاعها 25 مترا وعرض القبة 6 أمتار، ويتواجد النصب في ساحة واسعة تقع تحت النصب مباشرة رمز يُسمى بالشعلة الأبدية ويتضمن سردابا ومدرجا ومتحفا تحت الأرض وهو متحف المجاهد.

 ويعتبر مقام الشهيد من بين أكبر الرموز في إفريقيا، وهو من أفكار الرئيس الراحل هواري بومدين، ولكن بني في عهد الرئيس السابق الشاذلي بن جديد في الفترة ما بين 1980 إلى غاية 1982 وافتتح رسميا سنة 1986، وهو يرمز إلى النهضة الجزائرية في المجالات الثلاثة: الصناعية والزراعية وكذا الثقافية.

 وبخصوص رياض الفتح مركز الفنون، فهو مجمع تجاري وثقافي تتخلله مساحات خضراء يضم أسواقا كانت حديثة في وقت سابق ومطاعم وقاعات السينما ومتحفا للمجاهدين وقرية للحِرفيين، المجمع العريق مبني تحت الأرض.

 

معلم مهم يستنجد

كان هذا الصرح التاريخي الذي تطلب تشييده ملايير الدينارات في الثمانينات والتسعينات مفخرة الجزائر، حيث كنا نجد بائع الأزهار والمصور الفوتوغرافي والرسام والمهرج... ولكن كل تلك المظاهر أصبحت ذكريات مرت على مقام الشهيد وأصبح مهملا وكسب سمعة سيئة في السنوات الأخيرة وأصبح يعاني من فراغ ثقافي ولامبالاة وسوء تسيير، يشهد الإهمال وعزوف الزوار بعدما هجره المسؤولون طوعا وعلانية فلا محلات ناشطة ولا نشاطات تشجيعية، حتى المحلات مغلقة والمراحيض بالهواء الطلق، وروائح كريهة في كل مكان، حتى يخيل لك أنك في مكان معزول، أين تراجعت السمعة التي كان يحظى بها في فترة التسعينات والثمانينات ونزلت سمعته إلى الحضيض بعدما فقد بريقه وصارت تلك المساحات تبحث عن مغيث.

وفي حديث جمعنا بأصحاب المحلات التجارية هناك، أكدوا أن أكبر مركز إفريقي يعاني في صمت في ظل سوء التسيير والإهمال، إضافة إلى غياب النشاطات الترفيهية والثقافية التي كانت تستقطب الجماهير خاصة منها العائلات من جهة أخرى، معتبرين أنه يعيش أسوأ أيامه بعد أن كان قبلة لزوار العاصمة والولايات المجاورة، وحسبهم، فإن السبب الرئيسي وراء هذا الوضع هو التسيير، وأكدوا أن الدولة إذ أرادت أن تعيد للمكان تألقه فبإمكانها ذلك، غير أن غياب الإرادة حوّله إلى مزار للأشباح.

وقد وصل عدد المحلات المغلقة إلى أكثر من 150 محل، وأسعار الإيجار هي من أدنى ما يوجد في سوق العقار في الجزائر، ولا يمكنك مقارنتها بأسعار في مراكز تجارية أخرى تؤدي نفس المهنة، والمشكل الذي تتخبط فيه المحلات هو أن أصحابها تقدموا في وقت سابق بطلب إلى المؤسسة المسؤولة بتغيير نشاطهم بسبب غياب الزوار، حيث قاموا بتهيئة حتى الممرات المؤدية لتلك المحلات ولكن الإدارة رفضت تغيير النشاط، الأمر الذي دفعهم إلى غلقها.

وأضاف آخرون أن بعض المستغلين للمساحات التجارية وعقارات رياض الفتح لا يحترمون دفتر الشروط؛ إذ أن القانون ينص على الإيجار بالمزاد ومنذ سنة 2012 لم يتم التعامل بهذه القاعدة القانونية المنصوص عليها في نظام المؤسسة، حيث إنه يتم استئجار المحلات لمرتين وعلى التوالي وهذا خرق للقانون الذي ينص أن الكراء يدخل المزاد، وكثيرا ما يتحجج المستأجر الأول بأنه مسير فقط، وأرجع كذلك أصحاب المحلات هذا التدهور إلى العديد من الأسباب من بينها غياب النقل من أيّ منطقة إلى مقام الشهيد وكذا غياب الإدارة المسيِّرة حيث اعتبروها إدارة ''نائمة''.

 

مشروع لإنقاذ المقام 

إلى ذلك، أطلق وزير الثقافة ووالي العاصمة عبد القادر زوخ، مشروعا كبيرا "لإنقاذ'' وإعادة تهيئة مركب رياض الفتح وسمي هذا المشروع ''إعادة إنعاش الديوان''، بإعادة النظر في مرافقه الثقافية والتجارية والترفيهية في إطار مخطط إعادة تهيئة عاصمة البلاد.

وسيركز المشروع على إعادة التهيئة وإرجاع المقام إلى سيرته الأولى كمركز تجاري ضخم، حيث باشرت الوزارة والولاية بـ''تشخيص أوّلي'' للمكان وإعادة النظر في الأمور التي بإمكانها أن تعيد استقطاب الزوار وكذا استرجاع وجهه الحقيقي من خلال تطويره وإرجاعه ''القلب النابض للعاصمة'' من خلال تهيئة أفضل.

وحسب ذات المصدر، فإن ولاية الجزائر قامت بتشكيل لجنة بالتنسيق مع وزارة الثقافة لضبط نقاط قوة المقام ونقاط الضعف للقيام بالإجراءات اللازمة للإنقاذ، والسؤال الجوهري الذي يمكن طرحه هو: هل سينجح والي العاصمة عبد القادر زوخ وكذا وزير الثقافة عز الدين ميهوبي في استرجاع الوجه الحقيقي لرياض الفتح ومقام الشهيد لمنافسة العديد من المعالم العالمية...؟

  • print