الجبهة الاجتماعية بين عجز الإدارة وتَغَوُّل النقابة

date 2018/02/13 views 2178 comments 5
محمد بوخطة

إطار سام

قبل الخوض في تفاصيل الموضوع أودُّ أن أثبت أولا أن الإدارة أو قطاع الوظيفة العمومية بالمجمل هو واجهة الدولة التي ينظر إليها المواطن من خلالها، فعلى قدر جديتها في التعامل وحرصها على خدمة هذا المواطن على قدر خدمتها لتوجهات النظام سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بعبارة أدق إنها المؤثر الفعال ـ

إن لم يكن الوحيدـ الذي يحدد طبيعة العلاقة التي تربط المواطن بالنظام السياسي والسلطة القائمة ويعبِّر عن مدى حضور هيبة الدولة وصدقيتها في التعبير عن طموحات المواطن وخدمة مصالحه ولذلك وجب على السلطة السياسية الحقيقية التي تحترم مواطنيها وتحرص على هيبتها أن تتشدد في المعايير التي تسند من خلالها المسؤولية لمن يكونوا في تماس مع مختلف شرائح هؤلاء المواطنين ليس فقط لأن ذلك مقتضى العقود والمواثيق التي تربطها بهم بل لأن ذلك سببٌ جوهري يبرر وجود هذه السلطة ويضمن إستمرارها.

من الجانب التشريعي؛ متى كانت النصوص القانونية منضبطة وواقعية ومعبرة عن الاحتياجات الاجتماعية الحقيقية محمَّلة بجرعة ظاهرة من العدالة كان ذلك أدعى إلى زيادة احترامها والالتزام بها.

إن المتتبع لتداعيات هذه العلاقة على المناخ المهني الاجتماعي في الـ15 سنة الأخيرة على الأقل لا يحتاج إلى كثير نظر ليدرك مدى تدهورها وتشنجها بداية بالقطاع الاقتصادي ووصولا إلى قطاع الوظيفة العمومية، ما انعكس سلبا على أداء الموظف والإدارة على السواء إلى حد تكاد تضيع معه الحقوق الحيوية الأساسية والدستورية أيضا كحق الرعاية الصحية وحق التمدرس ومختلف الخدمات التي يفترض أن تقدمها الإدارة للمواطن ضمن وظيفتها الطبيعية، مع العلم أن المواطن الذي يتلقى الخدمة هو نفسه الذي يقدمها من جهة أخرى، إنما دور الدولة بالمفهوم المتعارف عليه يكمن في ترتيب هذا التداخل وتنظيمه بالقدر الذي يُثبت دورها ويبرر وجودها ويسجل حضور هيبتها التي تصنع الفارق وتحقق المدنية..

غير أن الاضطرابات المتواصلة والإضرابات المتجددة وفي مختلف القطاعات لاسيما الحساسة منها كالتربية والصحة والتعليم العالي مثلا أنهكت الطرفين وأفسدت الحياة المدنية إلى حد يكاد يهدّد وجودها لأسباب أجملها فى عشرة:

1ـ نجاح السلطة في تمييع الممارسة السياسية وتسفيه العمل السياسي والأحزاب السياسية وكل الفاعلين في حقل السياسة والذي هو فشل لها من حيث لا تدري، لأنها بذلك حرمت نفسها من الاستفادة من الدور الذي يمكن أن تلعبه الطبقة السياسية كوسيطٍ ذي مصداقية بينها وبين مواطنيها يمثل حاميا وواقيا مخففا للصدمات التي يمكن أن تتلقاها السلطة ذاتها حين خطئها أو فشلها.

2ـ عدم نجاح السلطة بسلوك نفس النهج في الوسط النقابي الذي لا زال يحتفظ بقدر من المصداقية والتمثيلية لدى الناشطين فيه إلى الحد الذي يمكنهم من التجنيد الفعال لما يتبنونه من مطالب، وجمع العمال والموظفين حولها.

عندما يُبتلى المجتمع بإدارة صماء ونقابة تتحدث بالإضراب، فإن النتيجة هي هذا التعفن الذي يتهدّد حقوقا أساسية للمجتمع، إن ابتذال هذا الحق وتبلد حسّ الإدارة والنقابة عليه وإدمانه سيضع الاثنين لاسيما النقابة في مواجهة المجتمع في موقف حرج يعسر عليها وقوفه فضلا عن تبريره أو الإقناع به.

3ـ الدور السلبي الذي تلعبه قيادة الاتحاد العام للعمال الجزائريين والتي حرفت مساره المفترض من حركية نقابية مطلبية إلى حركية سياسية أو شبه سياسية تكاد تجعله جهازا من أجهزة السلطة التنفيذية وأداة من أدواتها الإدارية بعيدا كل البعد عن الدور الأساس الذي وُجد من أجله كجبهة جماهيرية، ما أفقده مصداقيته وبالتالي شعبيته في الوسط العمالي لصالح منافسيه من النقابات القطاعية التي فرضت وجودها ودورها، بل وأصبح الدور الذي تلعبه قيادة الإتحاد مؤجِّجا لرد فعل مضاد في الوسط العمالي استفاد منه منافسوه من النقابات القطاعية. 

4ـ الإدارة أو المسيِّر لم يعد يصنع الفارق بكفاءته وحِرْفِيَتِه التي تقنع من في مواجهته بتميُّزه وأحقِّيَتِهِ التي تفرض أدبيا الاستماعَ إليه والوقوف عند رأيه واحترام توجُّهه وتوجيهاته لأجل حسن الأداء ومعالجة النزاعات، بل على العكس من ذلك تماما هذا القصور الظاهر فيه جَرَّأَ الآخر عليه فيما هو مصيب كما في ما هو مخطئ فيه وأعطى مبررا للتمرد عليه وربما أدى إلى التهوين من شأنه الذي تحول عند الآخر إلى غرور وإعجاب في بعض الأحيان خرج به من دوره النضالي من أجل تحقيق المطالب المشروعة المساهمة في حل النزاعات إلى منازعته حقيقة لإدارة الدولة في صلاحيات التسيير تحت غطاء الشراكة والمشاركة وهو أمر دقيق في ملاحظته وتعيينه، دقيق في معالجته وتصحيحه، كما أنه أهمُّ مظهر من مظاهر التَّغَوُّلِ الذي أردت الإشارة إليه ضمن مظاهر أخرى.

5ـ خروج بعض المسؤولين عن مقتضيات المسؤولية وواجب الالتزام وخرقهم حدود التماس في العلاقات الإدارية الإدارية ـ أقصد بين الإدارة وامتداداتها على مستوى المصالح الخارجيةـ والإدارية النقابية وسوء إدارة هذه العلاقات الذي يفضي إلى تداخلها إلى حد استغلالها سلبا بالقدر الذي يهوِّن من شأن المسيِّر على المستوى المحلي ويكرس نزعة التغوُّل والزهو عند بعض الممارسين النقابيين الذين لا يحسنون الموازنة في مثل هذه التصرفات وهم يجهلون صعوبات التسيير وعقبات التعاطي مع مختلف المؤسسات الداخلة فيه.

 دفعا لأي التباس أقصد هنا أن دور النقابة في طرح الإشكالات والمساهمة في حلها تصالحيا أو بالطرق القانونية مقدَّس لا غبار عليه بل هو وسيلة دفع للإدارة وخدمة للصالح العام، غير أن النقابة لا يمكن أن تكون قناة أخرى  للتواصل الإيجابي أو السلبي بين الإدارة ومكوناتها ولا يليق بحال أن تُقحم في مثل هذه الأدوار؛ فالعلاقة بين أطراف الإدارة أفقيا وعموديا يجب أن تتم في إطار نظامي مغلق بما يحفظ هيبة الإدارة ويصون احترام المسؤول من أي رتبة كان، لا يعني هذا أبدا انغلاق الإدارة على نفسها وعدم استفادتها من الحركية النقابية الإيجابية في تبصيرها باختلالات التسيير الميدانية التي قد يعانيها الموظف ولكن دون إخلال بما تمليه مقتضيات المسئولية وتفرضه ثقافة الدولة.

6ـ من عيوب بعض المسئولين أحيانا أنهم لا يتواصلون ـ وهذه مشكلة متجذرة في مجتمعناـ وإذا حصل وأن تواصلوا لا يُحسنون التعبير فيعقِّدون المشكلات من حيث يريدون حلها، إن المسئول الذي لا يُحسن الدفاع عن خيارات إدارته الموضوعية ولا يبدع في الإقناع بها سيسيء إلى مقام مسئوليته ويتحوّل إلى عبء على الدولة من الضروري أن تتخلص منه.

7ـ إن عدم مبادرة الإدارة من تلقاء نفسها بما تقتضيه ترقية الوظيفة وتحسين شروط العمل يعطي انطباعا بمعاداتها لمطالب الموظفين وحقوقهم بما يسرق منها ثقة العامل والموظف لتكتسبها النقابات التي تتبنى مطالب الموظفين وتناضل لأجل تحقيقها بل وتفرض على الإدارة الاستجابة لها تحت الضغط وسياسة لَيِّ الذراع التي كثيرا ما كانت سببا في ولادة قيصرية لمشاريع مختلفة متعلقة بالمطلبية النقابية، ما يعطي شرعية ومصداقية أكثر للحركية النقابية ويجمع العمال والموظفين عليها لتتحوّل هذه الاستجابة ذاتها وبكل منطقية إلى عامل تجنيد يستفيد منه النشاط النقابي وتخسر به الإدارة ثقة منتسبيها أكثر، طبعا الحل لا يكمن في عدم الاستجابة وتكريس الغبن والرداءة في الوسط المهني ولكنه يكمن في أن تحفظ الإدارة الدرس وتتعلم من أخطائها وتتعود السعي الجاد في خدمة موظفيها حقيقة، لتنافس من جديد من أجل استرجاع ثقة العامل والموظف وتكريس ثقافة حقيقة معبرة عن أخلاق الدولة والتزاماتها..

8ـ غياب الثقافة القانونية التي تكرّس مرجعية القانون والسعي للتحاكم إليه بدل التحايل عليه واستغلاله للتبرير أو التخويف وتلك مسئولية مؤسسات الدولة قبل غيرها، أولا من الجانب التشريعي؛ فمتى كانت النصوص القانونية منضبطة وواقعية ومعبرة عن الاحتياجات الاجتماعية الحقيقية محمَّلة بجرعة ظاهرة من العدالة كان ذلك أدعى إلى زيادة احترامها والالتزام بها، وثانيا من حيث حسنُ قراءتها وتطبيقها لتُدِير بصدق العلاقة بين المواطن والمواطن، والمواطن والدولة، لأجل ذلك وجدت وبمثل ذلك نكرس الثقافة القانونية لدى المواطن التي تجعله يقتنع بمرجعية التشريع وضرورة التحاكم إليه حين النزاعات..

إن مسلك الإدارة أو السلطة في الحديث عن تعديل القوانين حين الأزمات من أجل تحجيم حق ما أو منعه سيشعر المواطن بأن التشريع أصبح سيفا مسلطا على رقبته مضمرا بذلك عداوته مبدأ في فنون التمرد عليه وهو مسلك مناقض للمطلوب.

إن حشر السلطة القضائية في نزاعات هي بالماهية غير قضائية سيحملها عبء أخطاء غيرها وسيؤثر سلبا على علاقتها بالمواطن التي تستدعي قدرا مهما من الاحترام والامتثال، خاصة وأن الحلول متيسرة بطرق أخرى. 

بل إن حشر السلطة القضائية في نزاعات هي بالماهية غير قضائية سيحملها عبء أخطاء غيرها وسيؤثر سلبا على علاقتها بالمواطن التي تستدعي قدرا مهما من الاحترام والامتثال، خاصة وأن الحلول متيسرة بطرق اخرى.

وفي ذات السياق، فإن تعوُّد الإدارة الارتجال والتوسع في التشريع بالرخص في مواجهة القوانين المستقرة مظهر آخر من مظاهر الإدارة وتكريسها لثقافة اللاقانون،  إن الرخصة يمكن أن تكون في حالة فراغ تشريعي أو في حالة وجود نص مُتجاوز أثبت عدم جدواه إلى حين استبداله، أما أن تصبح وسيلة لتجاوز القوانين والسطو عليها في خرق ظاهر لترتيب التشريع وتناغمه فإن ذلك هو الهمجية عينها..

9ـ هناك حقيقة لا يجوز أن نُغْفِلها بعيدا عن من يستفيد منها ومن يتضرر: إن تشريع الحق في الإضراب كممارسة نقابية إنما وُجد وسيلة للتعبير عن عدم الرضا وتحسيس الإدارة بامتعاض العامل والموظف لأجل أن يتحفز الطرفان لبحث الحلول وتسوية النزاعات، أما عندما يُبتلى المجتمع بإدارة صماء ونقابة تتحدث بالإضراب، فإن النتيجة هي هذا التعفن الذي يتهدّد حقوقا أساسية للمجتمع، إن ابتذال هذا الحق وتبلد حسّ الإدارة والنقابة عليه وإدمانه سيضع الاثنين لاسيما النقابة في مواجهة المجتمع في موقف حرج يعسر عليها وقوفه فضلا عن تبريره أو الإقناع به. وإن تقصير أي منهما في بحث الحلول أو سعيه  لوضع خصمه في مواجهة المجتمع سلوك غير حضاري لا يصون المصلحة العامة ولا يخدم المجتمع ذاته.

10ـ إن الفكر المتكلس لبعض المسؤولين الذين يجعلون أنفسهم سقفا للفكر والإبداع  ويقودون قطاعاتهم بالترهيب والتعنيف نتيجته الحتمية قتل روح المبادرة لدى المسير وقعوده عن الاجتهاد في تطوير أدائه.. بل إن هذا التحجر أدى ببعضهم إلى ممارسة مركزة فعلية للتسيير حرمت مسيِّرين في مختلف المصالح من المبادرة بممارسة صلاحياتهم والتفنن فيها وانتظار تنفيذ الأمر والنهي على طريقة المشيخة خوفا من التهديد والعتاب أو التعنيف والعقاب. إن تجميع الصلاحيات في أشخاص بأعينهم تحوّلهم إلى سدود منيعة أمام سلاسة التعامل ومرونة التسيير.

ولنا أن نتساءل في الأخير عن مقدار الجهد الذي بذلته الدولة وتبذله في خدمة الموظف وتحسين شروط العمل..

إنه جهدٌ لا يُنكر غير أن طريقة تصديره تأتي بأثر عكسي تماما فهي لا تحسن استغلاله من أجل مدّ جسور التواصل بينها وبين مستخدميها وكسب ثقتهم ورضاهم بل تفقدها لصالح الحركية النقابية فضلا عن أن تستغلها في إعادة بناء علاقات عمل جديدة ترتكز على الصدق والصراحة والثقة المتبادلة..

في الأخير أود أن أقول: إن النقاش القانوني الذي يثار حول حماية الحقوق جدل لا يفيد فإذا كانت الإدارة تتحدث عن دور الدولة في حماية حق التمدرس فإن النقابة تتحدث عن دور الدولة في حماية حق الإضراب وكلا الموقفين لا يعبر عن رغبة في التزام القانون بقدر ما يعبر عن الاستنجاد بالقانون لتبرير مواقف مسبقة بالضبط كحديث بعضهم عن ضمان الحد الأدنى من الخدمة الذي نصت عليه المواد 40،39،38،37 من القانون 90-02 المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب والتي حددت المجالات الـ14 المعنية بها، لا قطاع التربية ولا التعليم العالي وارد ضمنها فهي أيضا محاولة لحشر القانون في تبرير المواقف المسبقة دون البحث الحقيقي فى عمق النزاعات ومناسبة الحلول..

إننا بحاجة إلى وقفة جادة ونزيهة نطوي بها صفحة الماضي وممارساته المتعنتة لنفتح صفحة أخرى نتصالح فيها مع أنفسنا لنؤسس لمسلك جديد قوامه الوضوح والوفاء والصدق وصيانة المصلحة العامة.

  • print