“doing business” كما يريده أرباب العولمة
قبل اندلاع ربيع الشعوب الكاذب، كانت الأداة المفضَّلة بيد قادة العولمة لتخويف الأنظمة إصدار تقارير مغشوشة حول حقوق الإنسان، وقد رهن الغرب معظم برامج التعاون مع الدول النامية بمقدار الاستجابة للمعايير الغربية في مجال حقوق الإنسان، لينتقل اليوم إلى توظيف تقارير صندوق النقد والبنك العالمي ومؤسسات غير حكومية قد اختطفت سلطة تحديد معايير تسهيل “ممارسة الأعمال” أو ما اصطلح عليه بلغة شكسبير بعبارة (doing business).
وحسب آخر تقرير لـ (doing business) احتلت الجزائر المرتبة 157 من بين 189 دولة، مسبوقة بدول لا يتجاوز دخلها القومي مليار دولار، وكثير منها مصنَّف ضمن الدول الأكثر فقرا في العالم، فقد سبقتنا ميكرونيزيا، كيريباتي، وجزر القمر، و”تفوَّقنا” على بورندي، سورينام، إثيوبيا وموريتانيا. ولك أن تعلم أن فانياتو، تونغا، وسانت لوسي هي “أفضل حالاً” من الجزائر ومن المغرب، ومصر، والسعودية، والبرازيل، باحتلالها المراتب من 83 إلى 86 حتى وإن كنت لا تراها على خرائط “غوغل إيرث” بعد التكبير المفرط.
ولك بعد هذا أن تقدِّر مصداقية هذه التقارير التي تحولت إلى أدوات ترهيب وترغيب، تريد حمل الدول على تغيير تشريعاتها وفق المعايير التي يرضى عنها أرباب العولمة، وتنسف آخر الحصون التشريعية السيادية للدول، لأن معاييرها التسع تدور حول واجب “تغيير المناخ التشريعي، وتسهيل إنشاء المؤسسات ومنحها الأراضي، الانتقال الحرّ للرأسمال وحمايته، والتسهيلات البنكية، واسترجاع الضرائب، ورفع العوائق أمام التجارة البينية”.
بالنظر إلى هذه المقاييس، لم يكن من حق السيد مساهل الادعاء أن الجزائر هي بلد “ممارسة الأعمال”، لأن منظومتنا التشريعية ـ والحمد لله ـ لم تخُترق بعد كما يريدها مديرو العولمة، وما يزال مبدأ 51/ 49 “يحمينا” من التصنيف ضمن العشرين الأوائل في القائمة، كما حمتنا البيروقراطية المسيِّرة للنظام المصرفي من الخصخصة التي نقلت الهيمنة المصرفية في أغلب الدول النامية إلى كبريات المصارف العالمية، وما يزال القانون المنظِّم للعقار يحمي سيادة البلد على الأرض وباطنها.
أما المغرب الذي يتغني إعلامُه وحكومته على مدار الساعة بالمرتبة 68 عالمياً فلا تمتلك الدولة والشعب فيه إلا القليل من عوائد “ممارسة الأعمال”؛ إذ أن أكثر من 40% من الاستثمارات الخارجية هي استثماراتٌ فرنسية بملكيةٍ صرفة، وما بقي تقاسمته بعض دول الخليج، من معامل “رونو” و”بيجو” المملوكة حصرا للمؤسسة الأم، إلى مشروع “نور” في الطاقة البديلة المملوك لشركة سعودية، أو باقي الشركات الأنغلوساكسونية المستثمِرة في مناولات صناعة الطيران.
الخضوع لهذه الإملاءات المتناغمة مع شروط صندوق النقد الدولي يقود حتما إلى نسف سيادة الدول، والتمكين لاستعمارٍ جديد هو أخطر من الاستعمار القديم، يحوِّل أبناء البلد: شعبا، ودولة، ومؤسسات أهلية، إلى “خمَّاسة” وعبيد، وفي أحسن الأحوال إلى دول تموِّل استثماراتها بالمديونية الخارجية، وإلا فكيف أمكن مقارنة بلد مثل الجزائر، لا تزيد فيه المديونية الخارجية عن 3 إلى 4% فقط من الدخل القومي الخام ببلد مثل المغرب بلغ دينُه الخارجي ـ حسب البنك المركزي المغربي ـ سنة 2014 أكثر من 741 مليار درهم (أو 74 مليار يورو) أي ما يعادل 81% من دخله القومي الخام، وبلغت خدمة المديونية سنة 2013 حسب نفس المصدر 163 مليار درهم، أو 17 مليار دولار، أي ما يعادل 50 %من ميزانية الدولة، ومجموع عوائدها الضريبية؟!