الشروق العربي

Je suis..جزائري !

جمال لعلامي
  • 1600
  • 0

صحيح أن الاعتداء على جريدة “شارلي ايبدو” جريمة، وصحيح أن المعتدين مهما كانت ملتهم وجنسيتهم ودينهمّ وبلدهم، يجب أن يُعاقبوا ويُدخلوا السجن ويُعدمون..لكن صحيح أيضا أن ما اقترفته إسرائيل في عزّ رمضان، هو جريمة، وما يحدث وحدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن والبوسنة والهرسك ولبنان ومالي، جرائم كذلك تستحق العقاب والحساب والتضامن.

مصيبة العرب والمسلمين، أو بالأحرى زعماءهم، أو بعضهم على الأقلّ، ليس في التضامن مع “صديقتهم” فرنسا، ولا في التنديد بجريمة “شارلي” ولا باستنكار الإرهاب الدولي، ولا في المشاركة في “مسيرة الجمهورية” بباريس، ولكن يا جماعة مصيبتهم في عدم الالتقاء والسير والتضامن عندما يتعلق الأمر بالمحن والمآسي والإرهاب الذي يضربهم !

لم يرفع هؤلاء لافاتات وكتبوا عليها: je suis غزاوي، و je suis عربي و je suis مسلم و je suis سوري و je suis عراقي ولبناني ومالي ومصري وتونسي وسوداني و je suis ……

 لم يقل هؤلاء  je suis جزائري، عندما كان الجزائريون في مواجهة آلة الإرهاب الوحشي بداية التسعينيات، بل فضلوا الهروب وتحريض غيرهم من الأصدقاء والأعداء على الفرار والمقاطعة وتأليب الرأي العام على كلّ ما هو “ماد إين الجيريا”.

عندما يصبح التمييز والمفاضلة بين الضحايا، توجه عام وإستراتيجية دولة، فمن الطبيعي أن ينفر عامة الناس من هكذا استعراضات فلكلورية، تأتي لتزويق مشاهد فيلم “أكشن” بالأبيض والأسود !

الكارثة الأخرى، أن كلّ ما تحدث جريمة أو تصرف “غير حضاري”، يُحاول الغرب مسح موسه في أصول جزائرية، أو عربية إسلامية، هي بريئة براءة الذئب من دم يوسف، وفي هذه المهزلة والحقد الكثير من النماذج والتجارب المرّة والمؤسفة والمرفوضة.

من مراح إلى الأخوين كواشي، عملت أطراف فرنسية على إلصاق “الجريمة” بالأيادي الجزائرية، ونتيجة لهذا الفعل المحسوب أو غير المحسوب العواقب، اندلعت حملة قذرة وأخرى عنصرية وانتقامية ضد الجزائريين المهاجرين، سواء المقيمين بطريقة شرعية أو “حراقة” يبحثون عن رزقهم !

لقد قالها ذات يوم بن زيمة بالفمّ المليان: عندما أسجّل وأربح فأنا “فرنسي”، وعندما أتعثر وأخسر فأنا “جزائري”، وفي مثل هذه التصريحات، رصاصات وقنابل، المستتر فيها ظاهرا والظاهر فيها مستترا !

عندما “نطح” زين الدين زيدان اللاعب إياه، بسبب تطاوله الاستفزازي، أصبح زيدان “جزائريا”، لكن عندما كان “عاقل” ويسجّل الأهداف لفريقه، كان فرنسيا وبامتياز، والجزائريون “ما يسالوش فيه” !

كذلك، مراح والأخوان كواشي، عاشوا وترعرعوا في فرنسا، وكبروا فيها وشربوا من ثقافتها وعقليتها، لكن عندما حدث ما حدث، تذكـّر الفرنسيون بأن أصولهم “جزائرية”، وفجأة نفضوا أيديهم منهم، ولجئوا إلى “القضاء عليهم” بتهم ارتكاب جرائم !

الجريمة هي الجريمة، والإرهاب يبقى بلا لون ولا ذوق ولا جنس ولا دين ولا بلد ولا هوية، فلا داعي بالتالي ملاحقة الجزائريين بتهم مفبركة ومعلّبة وغير مقبولة، وإذا قدّر الله وتورط أيّ جزائري، مثلما يتورط الفرنسي وغيره من الأجناس والديانات والبلدان، فإنه يبقى فعل انفرادي ومعزول، لا يقبل أبدا التعميم والتعويم !

مثلما يحق لك أن تقول: je suis فرنسي أو أمريكي أو روسي أو بريطاني أو صيني، يحق لغيرك أن يقول: je suis جزائري وتونسي ومصري وليبي وعراقي وسوري وأردني ومغربي ومالي و je suis عربي مسلم، وليس في ذلك عيب ولا عار، فلا ينكر أصله وفصله “غير..” ولا داعي لإتمام المثل أكرمكم الله.


المقنوطون لم يقنطوا من رحمة الله ولم تقتلهم القنطة بسبب مسيرة الفرنسيين والغرب في باريس تنديدا بالإرهاب وتضامنا مع “شارلي”، ولكن قنطتهم وقنوطهم كان بسبب تزاحم هؤلاء العرب والمسلمون في طابور ليس طابورهم، وكان من المفروض أن يتزاحموا في طابور الجامعة العربية مثلا، أو طابور المؤتمر الإسلامي، أو يتزاحمون في مسيرات لنصرة القضية الفلسطينية ووقف الحروب في العراق وسوريا وليبيا، وكم هو من العربية والإسلام، لو تزاحموا للتعاون والتضامن مع الجزائر في حربها الطويلة ضد الإرهاب !

الأكيد أن إرهاب الأمس هو إرهاب اليوم وهو أيضا إرهاب الغد، باستثناء تغيّر وتطوّر الوسائل والمنفذين والمنظرين، لكن الضحايا هم ضحايا، فرجاء أوقفوا أغنية: قتلاكم أرقام، وقتلانا قصص !

مقالات ذات صلة