"الشروق اليومي" تقف عند معاناة أطول وأضخم ممثل جزائري
أبو جمال يصرخ في وجوه المسؤولين .. ربي وكيلكم
الفنان أبو جمال يعاني في صمت/ تصوير: حميدة غزال
تقدم به العمر وعبثت الأيام بملامح وجهه فصار شعره أشعثا، وانهار أطول وأضخم ممثل جزائري على كرسي متحرك بساق مبتورة وأخرى مشلولة.. هو “عمي رابح”، أو”أبو جمال”، أحد أقدر صنّاع الكوميديا في الجزائر.
-
-
هو الرجل الذي مَنح الكثير لغيره، ليحصد في مقابل ذلك جحودا وتنكرا، وليجد اليوم نفسه بعد أن خارت قواه واستبّد به المرض وحاصره الفقر، وحيدا.. ضائعا في عتمة التهميش والإقصاء، لكن “الشروق” لم تنس ابن الراحلة وردية في “التاكسي المخفي” وزارته في بيته بالطابق الخامس حيث المسافة بينه وبين الأرض، هي نفسها المسافة التي تفصل الشمس عن اليابسة.
-
-
الفنان الجزائري”محڤور”منذ الاستقلال ..
-
-
لم نكن نعلم قبل أن نستهل حوارنا مع الفنان أبو جمال، بأنه بارع في نظم الشعر العامي الجزائري وكاتب موهوب يجيد تأليف الأغاني ونصوص الروايات، بالإضافة إلى كونه ممثلا متمّرسا في المسرح والسينما والتلفزيون، بعد أن جسّد ما يفوق عن الـ 200 سكاتش ومثّل أكثر من 40 فيلما جزائريا وأجنبيا..
-
رابح رزقي، وهو اسمه الحقيقي، استقبلنا بالأبيات الشعرية المؤثرة التي نظمها، مستلهما كلماتها الحزينة من صميم معاناته الشخصية، بعد أن استبّد به المرض وانصرف عنه الجميع، فخاطبنا من على كرسيه القديم المتحرك “نعمل الخير في إنسان وما عندي مزية ** حبابي وصحابي وخاوتي واللي دايرين بيا** مادارولي الخير حتى مزية”.. حاولنا التهوين عليه، وطلبنا منه أن يحدّثنا قليلا قبل الخوض في تفاصيل معاناته، عن بداياته الفنية.
-
سؤالنا فتح على مستضيفنا جروحا أعمق، بعد أن اتضح بأن معاناته اليوم ليست إلا امتدادا لمعاناة أكبر تكبّدها في بداياته الفنية “من قال بأن الفنان الجزائري كان ذا قيمة؟ كنا نسافر في الطائرة وكأننا كباش، ودولتنا لم تكن تعيرنا أي اهتمام، ويا لهول ما أصابني في رحلة إلى فرنسا كانت شبيهة برحلة الألف عام حين احتشدنا في الطائرة وكأننا كباش، كنت رفقة سيد علي كويرات والعربي زكال والفنانة القديرة كلثوم.. وقتها كنت مريضا جدا ولم يكن بحوزتي مال، فوجدت نفسي بعد العرض، تائها وقد هرب عني رفقائي من الفنانين، ووجدتني ضائعا بمطار”شارل دوغول” لولا تدخل بعض الخيّرين ممن استنجدت بهم للعودة إلى أرض الوطن”.
-
-
وقعت في مسرح باشطارزي وتقطّعت عروق ساقي ولم يسعفن أحد
-
-
أبو جمال حاول أن يستعيد معنا النجاحات التي رسمت تاريخ التمثيليات الجزائرية التي شارك فيها “لم يبرع أحد في تجسيد دور “العلون” مثلما فعلت بحكم ضخامة جسمي وقدرتي على توظيف قامتي الطويلة، كما برعت أيضا في تجسيد دور تاجر العبيد في فيلم لأحمد راشدي، وتفوقت في مسرحية “سلطان الحاير” سنة 65 عن رواية لتوفيق الحكيم ونجحنا في تقمص شخوصها مثلما لم يتفوّق في ذلك المصريون آنذاك، أمضيت أيضا مشاركتي في فيلم “حسن طيرو” ونال العمل الجائزة الأولى في تونس، وفي مسرحية “الغولة” التي نلنا عنها أيضا الجائزة الأولى في تونس، وفي نفس البلد الذي فتحه لنا الراحل بورڤيبة على مصراعيه، نلنا جائزة أولى عن مسرحية “العاڤرة” التي مثلت بطولتها الراحلة ياسمينة”.
-
روى لنا الفنان أبو جمال بحرقة شديدة واقعة سقوطه في مسرح باشطارزي، الذي طالما جسّد فوق ركحه روائع المسرحيات، كان يضرب ساقه المشلولة بعنف “ربي وكيلكم”، قبل أن يروي “حدث هذا في الثمانينيات، عندما هرعت مسرعا لأُعلم رفاقي بأن عصابة تسرق الأحذية في المساجد وتسارعت خطواتي، ولم يتبادر إلى ذهني أن تكون أدراج الركح التي بنيت كديكور للمسرحية بدون أساس، وما أن وضعت قدمي عليها حتى زلّت وسقطت على مرأى من الجميع، وكانت السقطة التي دمرت حياتي كلها، لكن المحزن والمخزي هو عدم تفكير الرفاق في نقلي إلى المستشفى، ولم يسعفن إلا ابن عمي الذي حضر خصيصا ليشاهدني وأنا أشارك في مسرحية “جحا والناس”، وفي المستشفى نقلت على جناح السرعة إلى غرفة الإنعاش بسبب خطورة حالتي وبعد أن استفقت على ألم شديد، علمت من الطبيب بأن عروق ساقي تقطعت ولا أمل في شفائي”.
-
-
محتجز منذ 05 سنوات لأني أقطن بالطابق الخامس والمصعد معطّل
-
-
يقول العّم أبو جمال بأن قدرة الخالق، عز وجل، شاءت بأن يصاب بشلل في ساقيه فبعد سقوطه في المسرح، الذي أسفر عن شلل قدمه اليسرى، أصيبت ساقه اليمنى بمرض “الڤونڤران” الخطير، فتآكلت قدمه، ما حمل الأطباء شيئا فشيئا على بتر أجزاء منها، حتى لم يبق إلا الفخذ وهو ما حوّله إلى معاق مائة بالمائة، وأدخله في نوبة من الحزن الشديد.
-
يقول أبو جمال بأنه استفاد من شقة بسبب وضعيته الاجتماعية المزرية، بعد أن كان يسكن بيتا حقيرا بحي سوسطارة العتيق رفقة 16 من أفراد العائلة، “سعدت كثيرا بالشقة التي سلمت لي على أساس أنها هدية أو مكافأة، لكنني صُعقت بمطالبة الدولة لي بأجر يفوق الـ3000 دج، والمرير في الأمر هو منحي شقة بزرالدة في الطابق الخامس، رغم علمهم بأنني معاق مائة بالمائة، حتى أن المصعد معطل لأن سكان العمارة يرفضون دفع مستحقاته، ونقلي من البيت للخضوع لعمليات الكشف الطبي الدوري يكلّف أسرتي الأمرين”.
-
-
أنا “نيّة” وديوان حقوق التأليف أخذ مني نصوصا دون مقابل
-
-
في هذه الجزئية بكى عمي رابح بكاء شديدا، فقد حدثنا بأنه ظل طول عمره مسلوبا من غيره، وكثيرون من أخذوا منه حقوقه عنوة، لأنه شخص طيب، أو كما أطلق على نفسه “نية”..”تقدمت إلى الديوان الوطني لحقوق التأليف لأحفظ 220 أغنية اجتماعية وأربع تمثيليات، لكنني ومنذ 5 سنوات لم أتلق أي رد من هذه الهيئة، ولا أريد أن أظلم مديرها عبد الحكيم توسار، الذي يبدو أنه ليس على علم بهذه القضية، وهنا أود أن أقول بأنه كان الشخص الوحيد الذي ساندني في محنتي، لكنني في المقابل أناشده عبر “الشروق” وأقول: “يا أخي توسار هاذي سنين لم أظفر بحقوقي الموجودة عندكم، أريدها اليوم لتأمين مصاريف قوتي وقوت عيالي، ولو كان الأمر متعلقا بمدير غيرك لرفعت ضده شكوى، أفرج عن أعمالي أو امنحني مقابلا ماديا عنها، وأنا لازلت أحفظ عناوين الروايات المتواجدة في هيئتكم وهي: “خَمم يا بنادم قبل ما تندم” و”اعرف وين تحط رجلك” و”الدنيا صعيبة والزواج شروط”، بالإضافة إلى نص آخر.
-
-
وزيرة الثقافة أعانتني “عام جدي” وأنا المعيل الوحيد لولدين مختلين عقليا
-
-
يقول أبو جمال بأنه تلقى سنة 2004 عطاء ماديا من قبل وزارة الثقافة “لكن تومي لم تبادر إلى دعمي منذ ذلك التاريخ، وكم شعرت بالحزن لما تعذّر علي الأمر في زيارة البقاع المقدسة، عندما استفاد منها فنانون آخرون.. في تلك الفترة كنت راقدا بالمستشفى ولهذا السبب لم أظفر بأداء مناسك الحج، لكن لماذا لم يمنح لي بديلا ماديا يعوضني عن عجزي؟، ولماذا لا ينظرون في منحتي الشهرية التي لا تتجاوز14000دج.. واليوم حالتي تزداد سوءا، ووضعيتي الاجتماعية متدهورة للغاية، حتى نظري قلّ كثيرا ومرضت عيناي وأجريت عليهما في17 ماي الفارط عملية جراحية، بالإضافة إلى أن لي ولدين مختلين عقليا أصرف عليهما وعلى باقي أفراد العائلة من تلك المنحة المتواضعة”.