-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من بعيد

أجيال ابن باديس وعبد الحليم.. وجيل الشاب خالد

أجيال ابن باديس وعبد الحليم.. وجيل الشاب خالد

كثيرة هي الأحداث التي مرت بها أمتنا، على طول تاريخها الجاهلي والإيماني، نقف اليوم أمام اثنين منها لجهة أفعال أبنائها البررة، المحزن فيهما أن كلا منهما يتعلّق بالموت، وهو نهاية كل حي، والجانب المفرح فيهما أنهما يشكلان في مجموعهما وجدان الأمة، ويحلّقان بها في عالم الروحيات.. نحن في أمس الحاجة إليهما بعد أن اعتلى كراسي الحكم في دولنا من كانوا مرفوضين نتيجة مواقف نابعة من لجوء الأمة إلى أحكام الشرع للخروج من أزماتها الكبرى، ومنبوذين لأن “قلوبهم غلف” لا تأخذهم بنا رأفة ولا يرقبون فينا إلاّ ولا ذمة.. كما نحن في حاجة لهما بعد أن أحلنا أصحاب القرار دار البوار، خصوصا بعد انتشار الإرهاب في كل مكان واحتلال العراق وإخراج من تبقّّى من الفلسطينيين من أرضهم

 

 

  • الحدث الأول ذكرى رحيل العالم الفاضل عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو الذي تركنا على قوله وقناعته محددين لمسار حركتنا في الحياة فنحن “شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة”، قبل أن يطعن إخواننا في عروبتنا ويشككوا في تاريخنا… الرّجل الذي تغنّينا بشعره صغارا وعرفنا معنى مرجعيته وعلمه كبارا، وكان لنا مرجعا وملجأ كلما عمّ الظلم والظلام والجاهلية الحديثة.. المهم أن ابن باديس ترك لنا ما نعود إليه لإثبات الهوية والانتماء نصوصا تعمّر معنا مدى العمر، لذلك لا غرو حين تتوارث الأجيال أفكاره وتبني عليها سلّم النهضة، ويؤسس عليها مشروع الدولة الوطنية في الجزائر بالرّغم من الذين ادعوا الانتماء إليه وشكلوا أحزابا ولّوا الأدبار أمام زحف المال والسلطة، وهناك من شرّع النهب والسّلب، وبقيت قلّة بعيدة عن العمل الحزبي، لأنها ترى في انتمائها للدين بقراءة باديسيةإن جاز التعبير تحقق البعد الإيماني ضمن فضاء التوحيد.
  •  
  • الحدث الثاني هو ذكرى رحيل الفنان عبد الحليم حافظ، الذي تجاوبت معه القلوب عشقا وحبا ووطنية وثورة، قطعت معه مسافات الأمل، وتجاوزت معه سنوات الهزيمة، ورست معه هاتفة، مستبشرة على مرافئ النصر.. حتى غدت أغانيه تعبيرا عن مناسبات فردية أو اجتماعية أو وظنية أو قومية.. صحيح أن صوته وأغنيته كانت لقلوب النساء أقرب، لكن هل نجا الرجال أثناء حياته وبعد رحليه منها بتفاعل إيجابي، حققت للكثيرين قليلا أو كثيرا من التوازن النفسي.
  •  
  • بعد رحليه رحلت مصر إلى الضفة الأخرى، واختارت السلام مع العدو الإسرائيلي طريقا لاستعادة ما تبقى من أرضها تحت الاحتلال، ولست هنا لمناقشة هذا الموضوع، إنما الذي يهمني هنا هو التذكير بأن العرب لم يقاطعوا عبد الحليم، لأنه مثّل وجدان أمّة تجمّع لها قي زمانه شروط العزة من صانع قرار قوي إلى أصحب كلمة صادقين إلى ملحنين قادرين إلى أصوات مؤثرة لأشباه رجال تتساقط سراويلهم قبل أن يقوموا من مقامهم.. ونحن حين نشتاق إليه اليوم فإن الحنين يأخذنا إلى فترة حكم فيها عبد الناصر مصر وحكم فيه بومدين الجزائر.
  •  
  • وبالنسبة لي قد يبدو الأمر أكثر تأثرا فأنا أعتقد أنني عربي وعروبي، حتى النخاع، ولكنني عاشق متيم للجزائر، أحب كل شيء فيها الشجر والحجر والطير، ويهزني الشوق إلى أغنية رابح درياسة “خذ المفتاح وافتح دارك يا فلاح”.. أغنية زمن الإنجازات، كما أحب الاستماع إلى أغاني خليفي أحمد وعبد القادر شاعو ودحمان الحراشي والهاشمي ڤروابي والفرڤاني وعيسى الجرموني وبقّار حدّه وعبد الله مناعي وإيدير، ولو بحثنا عن كل هؤلاء لوجدناهم جزءا من تاريخ الفن الجميل في الجزائر.. ألازلتم تذكرونهم في زمن الشاب خالد، ومامي وغيرهما؟!
  •  
  •  وأحب من الفنانين العرب عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش وفهد بلان وهيام يونس وفيروز وناظم الغزالي وعبد الوهاب الدكالي وغيرهم كثر، وعلى أصوات أولئك تشكل الوجدان العربي.. وهو ما نفتقده اليوم، خصوصا بعد أن تعّلق جيل الشباب بفناني عصره، وهو أمر طبيعي، لكن مشكلة هذا الجيل أنه في إطار العولمة يرى أن الأغنية العربية لا تحرّك وجدانه كما كناّ نحن في السابق، بل إنه يسخر من حالنا حين كنّا نقضي وقتا طويلا في الاستماع لأغنية واحدة، ويتأثر بأي أغنية أجنبية وتحرك وجدانه سواء أكانت إنجليزية أو إسبانية أو فرنسية أو حتى برتغالية وتهز مشاعره، وبناء عليه فإن الأغنية لديه لا توّرث، وهو بصراحة لا يرغب في أن يكون منتميا إلى جيل عبد الحليم ويفضّل عليه الشاب خالد بما في ذلك بعض من الشباب المصري.
  •  
  • لا أحد منا مدرك لأهمية الزمن يود إقامة حظر على ذوق الجيل الجديد، لكن الخوف في أن يظل مرهونا لأكذوبة اسمها العولمة التي تعني باختصار سيادة الغرب في كل مجالات الحياة… لكن المشكلة ليست قائمة عنده فقط، فهو نتاج مرحلة كل ما فيها يكرّس الهزائم والتراجع، ونحن ندين لبعض شباب الجيل الحالي بمواقف نضالية تجلّت عند غزو أفغانستان والعراق والحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان وعلى غزة خصوصا من كان منهم يدندن منه بالقرآن.
  •  
  • الجيل الحالي هو ابن مرحلة ترى نخبها أن الحل في تقليد الآخر حتى أنه لو دخل جحر ضب لاتبعته.. وحين تغدو الحكومات عاجزة عن جمع مواطنيها حول قضايا كبرى.. فمن الطبيعي أن يكون الشباب على الحال التي نرى.. شباب لا جامع له اليوم على مستوى الوجدان، حتى لو تذكرت قلةّ منا، ليس بيدها الأمر فكر عبد الحميد بن باديس أو عاشت للحظات مع أغاني عبد الحليم.. الجيل الجديد نموذجه الشاب خالد وأمثاله.. وهو جيل لا يودّ أن يكون أبناءه مثله.

  • [email protected]

 

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • مير حبيب

    وكانك تقرا ما بداخلي وتدون.بارك الله فيك واكثر من امثالك.لا تبخل علينا بالمزيد كرا.

  • سالم

    ان الذين يبكون على الاطلال لاينبغي أن ينصبوا انفسهم مصلحين اجتماعيين وناقمين على الاوضاع الحالية لأن ذلك با ختصار شديد نتاج تصفيقهم للرداءة وغلاة العلمانية الجاثمين على صدور الشعب منذ عقد ونيف من الزمن ،وعليه نقول لهؤلاء كفانا صياحا يا من لم تجدوا لأنفسكم مكانا بين العلمانيين الذين صفقتم لهم وغير العلمانيين وسموهم ماشئتم ،اسلاميين ،وطنييين ،اصلاحيين، انتهازيين ، فانتم تغردون خارج السرب.

  • الحراشي

    السلام عليكم :
    - ليس بغيرب يا دكتور إن علم المرء ان الزمكان قيدان لا ينفك العقل من خيوطهمـا وأغلالهمـا إلا بصعوبة شديدة ، فالإنسان المعاصر يعيش في دوامة لم يُعرف أولهـا من منتهاهـا ، والأجيال تتعاقب على أنقاض أسلافهـا ، وجيلنـا المعاصر هو نتاج لتناقضات إرثية من جهة وتناقضات معاصرة وتيارات مدوية ، يُستشف ذلك عندمـا نرى من تمسك وأمسك بماضي أجداده حبـا وإنقيادا وتقليدا لهم وعندمـا نرى على نقيضه من إنقاد للهشك بشك . غيرهم . هي أهواء تتصارع وليس العاقل من جر الخير من ذيله ...شكرا للدكتور

  • ناصح

    اسمح لي أستاذي الكريم أن أعبر عن رأيي شاكرا لك هذه المعاني التي حاولت فيما بدا لي أن توجهنا من خلالها لاختيار القدوة الإجابية ...اسمح لي أن أقول أن ***العمشة حينما تقارن بالعمياء تظهر أجمل الجميلات ***فلا عبد الحليم وأمثاله من الشهوانيين والنسوانجيين ولا حتى عبد الناصر وأمثاله من أصحاب العروبة المزعومه و المنقطعة والمبتوتة عن الله وعن دينه يصلحون لأن نقتفي أثرهم وقد تكففوا الفكر والخلق من الشرق والغرب ولم يقيموا لدين الله وشرعه ما أقاموه للشرق الشيوعي من المجد والتبجيل حتى خرّجوا هذا الجيل الذي يؤلمك كونه من المتأثرين بالشاب خالد... و...مامي السجين إن العرب والعربي والعروبة والعروبية وجميع مادة ** ع ر ب ** تبقى دائمة قيمتها تساوي 0 أو أصفار متوالية في جميع شؤون الدنيا مهما تفننا في صوغها بأشكال كثيرة منوعة ... وما بيعت فلسطين و تباع اليوم إلا باسم هذه الأكذوبة المتمثلة في العروبة ولو كانت حتى النخاع...
    يوم نعتز ونفتخر بنسبنا السماوي ونقتفي أثر الرجال أمثال محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه عليهم الرضوان و الأسلاف... وصولاإلى بن باديس والعربي بن مهيدي وديدوش والرائد فراج... والمجدد الملهوم الشيخ محمفوظ نحناح .... يومها فقط نستأهل عزا ومجد وقوة .......وشتان بين الثرى والثرية .

  • اغيلاس حمديس

    و ماذا فعل جيلكم الذي تربى على عبد الحليم واخواته واخوانه