-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أحمد طالب الإبراهيمي و”السنساليون” الجدد

بقلم: لعلى بشطولة
  • 1016
  • 0
أحمد طالب الإبراهيمي و”السنساليون” الجدد

رحيل أحمد طالب الإبراهيمي لم يكن حدثًا عابرًا؛ فقد أعاد إلى الواجهة مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر المستقلة، وأخرج من الظلال أصواتًا ظلّت تتربّص لتقديم قراءتها الخاصة للتاريخ، لا بهدف الفهم، بل بهدف فرض سرديات جاهزة.

في هذا المشهد، برزت مجددًا نغمة مألوفة: أصواتٌ تعود إلى المنبع الإيديولوجي ذاته، تقودها شخصياتٌ معروفة في الفضاء الإعلامي والثقافي المقيم بالخارج، تتقدّمها ما يُعرف بـ”السنساليين” الجدد، ومن سار على نهجهم من “الداووديين” و”السيفاويين” وغيرهم من المعلّقين الأسبوعيين.

محاكمات فكرية جاهزة
من الطبيعي، بل من الضروري، أن تُناقَش تجربة أحمد طالب الإبراهيمي بكل ما فيها من إنجازات وإخفاقات، وأن يُفتح ملف السياسات التعليمية والثقافية التي أشرف عليها. لكن ما نراه اليوم ليس نقاشًا هادئًا ولا تحليلًا تاريخيًّا؛ بل محاكمات فكرية مسبقة صيغت خارج الوطن، بلغة موجَّهة أكثر إلى جمهور غربي منها إلى الداخل الجزائري.
كثيرٌ من هذه الخطابات تعتمد على قوالب تحليلية مستورَدة، ترى في كل تعبير وطني أصيل “رجعية” وفي كل تقاطع مع المرجعية الغربية “تقدّمًا”. وقد تحوّل نقد النخب الوطنية إلى شعار إيديولوجي جاهز لدى هذه الدوائر، لا ينطلق من الأرشيف ولا من الواقع، بل من تموقع فكري مريح خارج البلد.

 سياسات التعريب في سياقها التاريخي
لا يمكن قراءة تجربة طالب الإبراهيمي دون فهم اللحظة التاريخية التي عاشها. بعد 132 سنة من الاستعمار، كانت المدرسة الجزائرية فرنسية الشكل والجوهر، صُمّمت لتقويض الهوية الوطنية لا لبنائها. في هذا السياق، جاء مشروع التعريب كخيار استراتيجي لإعادة الاعتبار للغة العربية وبناء هوية وطنية جامعة، في مواجهة إرث استعماري ثقيل.

لا أحد يطالب بتحصين تجربة طالب الإبراهيمي من النقد. العكس تمامًا: من واجبنا أن نناقشها ونفكّكها ونفهمها، لأن جزءًا من أزمتنا التعليمية والثقافية اليوم مرتبط بتلك المرحلة. لكن النقاش يجب أن يكون وطنيًّا، هادئًا، صريحًا، ومسؤولًا، لا أداة لتصفية حسابات فكرية من الخارج.

نعم، وقعت أخطاء: تسارعٌ غير محسوب، وإهمال للتنوع الثقافي واللغوي الداخلي، ونقص في التأطير التربوي. لكن هذه الأخطاء كانت مرتبطة بسياقات سياسية وجيوسياسية معقّدة: الحرب الباردة، وصعود القومية العربية، ومقاومة النفوذ الثقافي الفرنسي، وبحث الدولة الفتية عن تماسك داخلي في ظرف حساس.
اختزال هذه المرحلة في وصفٍ مثل “الظلام” أو “الانغلاق” هو ببساطة تجاهل للتاريخ، لصالح السهولة الإيديولوجية.

ثلاث لغات لخطاب واحد
على اختلاف الواجهات، يلتقي “سنسال” و”داوود” و”سيفاوي” في مصفوفة فكرية واحدة:” سنسال” نظّر لهذا الخطاب، مانحًا إياه شرعية فكرية زائفة.
“داوود” صاغه بلغةٍ أدبية تُغري الصحافة الغربية المتعطشة لقصص “الجزائر المتخلفة”.
“سيفاوي” قدّمه بلبوسٍ أمني، يخدم سردياتٍ جاهزة في دوائر إعلامية وسياسية معروفة.
جميعا قدّموا روايةً مُشوَّهة عن الجزائر، لا لفهمها، بل لتغذية النظرة الفوقية الغربية، وإضفاء مصداقية محلية على أحكامٍ صيغت خارج الوطن. إنهم لا يُزعجون السلطة، بل يريحونها، لأنهم لا يبنون مشروعًا وطنيًّا بديلًا، بل يرسّخون الاغتراب ويزرعون التيئيس.

 الانتهازيون “الأسبوعيون”
حول هذه الأسماء تدور مجموعة من الأصوات الثانوية: معلّقون، ومذيعون، وكتّاب أعمدة، يعيشون على فتات الخطاب “السنسالي”، يعيدون تدويره كل أسبوع بسطحية مثيرة للشفقة. لا أرشيف، لا تحليل، لا فهم… فقط عبارات رنانة يطلقونها بثقة العارف، وهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن المعرفة.
لكن التاريخ لا يُكتب من فوق الأرائك الجلدية في باريس. التاريخ يُقرأ في الوثائق، في أروقة القرارات، في معارك الأفكار، في مخاضات بناء الدولة. ومن لم يعش ذلك الزمن، ولم يدرسه بعمق، فالأجدر به الصمت لا التنظير.

نحو نقاش وطني هادئ ومسؤول
لا أحد يطالب بتحصين تجربة طالب الإبراهيمي من النقد. العكس تمامًا: من واجبنا أن نناقشها ونفكّكها ونفهمها، لأن جزءًا من أزمتنا التعليمية والثقافية اليوم مرتبط بتلك المرحلة. لكن النقاش يجب أن يكون وطنيًّا، هادئًا، صريحًا، ومسؤولًا، لا أداة لتصفية حسابات فكرية من الخارج.

استعادة السرد الوطني من أيادي الغربة
التصدي لهؤلاء لا يعني تأليه أحمد طالب الإبراهيمي أو تبرئة سياساته من الأخطاء، بل يعني رفض ترك الذاكرة الوطنية رهينة محاكم صالونات فكرية خارجية.
إن تاريخ الجزائر ملكٌ لأبنائها، لا لوكلاء الخطاب الغربي. ملكٌ لمن يجرؤ على قراءته بعينٍ جزائرية، لا بعين المراقب المستعلي من وراء البحار.
لقد آن الأوان لاستعادة زمام الرواية الوطنية، وتحريرها من قبضة أولئك الذين اتخذوا من جلد الذات تجارةً ومن بثّ البؤس مشروعًا. إنهم لا يبشرون بالنور، بل يقتاتون من الظلال.
المعركة اليوم ليست مع أفراد، بل مع خطابٍ متكاملٍ يحاول مصادرة الذاكرة الوطنية. أحمد طالب الإبراهيمي، بكل ما له وما عليه، جزء من تاريخنا الحي، لا يختَزل في صورةٍ واحدة ولا في حكمٍ جاهز.
الجزائر تحتاج إلى قراءة نفسها بنفسها، لا أن تُقرأ من الخارج بعينٍ منحازة.
إنها دعوة إلى استعادة السرد الوطني من يد المعلّقين العابرين، وبنائه على أرضية نقدية صلبة، لا على أهواء صالونات بعيدة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!