أرخبيل إبشتين وأعشاش الدبابير
تعتمد إحدى استراتيجيات الإعلام الصهيوني على ما يُعرف بـ«نظرية الصدمة» وبـ«نافذة أوفيرتون»، التي تهدف في هذا السياق إلى تطبيع الشذوذ وإذابة الثوابت عن طريق إغراق الرأي العامّ بحدثٍ مدوٍّ ومروِّع يخلق حالة من الذعر والذهول، فيُعاد تشكيل وعي الجماهير وتوجيه انتباههم بعيدًا عن القضايا الأساسية والحلول الناجعة، فالإعلام لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع السياق الذي يُفهم فيه الخبر، ويحدِّد زاوية النظر إليه، وتوقيته، ومدى استمراره مع هندسة ردود الفعل المرتقبة.
ما يثير الاستغراب ذلك التباين بين التغطية الغربية والعربية للإبشتينية، فبينما يطلق الغرب عليها “ملفات” أو “قضية” أو أحيانا “فضيحة”، تُصرّ النخب العربية على تسميتها “جزيرة إبشتين”، متجاهلة الصورة الشهيرة التي تُظهر قطعة كبيرة من كسوة الكعبة، التي تحمل كلام الله، على أرضية صالون إبشتين، حيث وقف هو ورئيس شركة موانئ دبي عليها وفقاللصور الرسمية المتداولة، وما يثير الدهشة أكثر أنّ المشهد العربي هرع نحو قضية جيفري إبشتين، وانبرى البعض إلى الفرح والابتهاج بما اعتبروه “انتصارًا” ضد الغرب، بينما لم يحركوا ساكنًا طوال عقود لكشف هذه الفضائح أو التحقيق فيها، ليظهروا في النهاية كقطعان تتهافت وراء صدمات إعلامية من دون دور فعّال في معالجة هذه الآفات، وفي الوقت ذاته، يقبع الآلاف من المرضى العقليين أمثال إبشتين في السجون، بينما يظل أكثرهم خارجها، إمّا لذكاءٍ في الإفلات، أو لحمايتهم من دوائر نفوذ أعلى، مما يجعل من يزجّ بهم في السجون مجرد الحلقات الأضعف في سلاسل أعقد.
لماذا تمّ اختيار إبشتين بالذات من بين آلاف الشبكات التي تنشط بصور أفظع، من جنوب آسيا إلى الجارة الغربية، رغم أنّ “خفاياه” كانت معروفة منذ ما لا يقلّ عن عشرين عامًا؟ ولماذا هذا التوقيت تحديدا لإعادة تفجير القضية عالميًّا، مع أنّ طياتها تعود إلى العقد الأول من الألفية الثانية؟
كما يرى مالك بن نبي: إنّ السياسة في القرن العشرين أصبحت علمًا دقيقًا كالرياضيات يُدار بأدوات مخبرية متطورة، وليست مجرّد «صراع على العروش» كما كان يُتصوَّر قديمًا، بل صراعًا على المصالح الداخلية بين التكتلات الكبرى التي تتنازع النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني، ووفق هذا المنظور، يجب قراءة بعض القضايا الكبرى لا باعتبارها فضائح أخلاقية فحسب، بل أيضًا باعتبارها أوراق ضغط تُستعمل في صراعات أعمق بين تكتلات متنافسة؛ إذ لم تكن هذه القضايا وليدة اليوم، ولا مجرد حديث الساعة، فتشير تحقيقاتٌ صحافية وتقارير متفرقة إلى أن شبكات التجارة الجنسية داخل الدوائر المغلقة كانت محل متابعة من أجهزة أمنية في دول كبرى، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية توظيف مثل هذه الملفات في سياقات الصراع والنفوذ حتى تنتهي صلاحيتها وفقا لسياقات زمنية محددة، ما يؤكد أن الظاهرة لا تقتصر على أفراد بعينهم، بقدر ما تعبّر عن سياسات وبنية منظّمة تتحرك في الظل لبسط النفوذ والسيطرة الاقتصادية والثقافية.
وإذا تجاوزنا اسم إبشتين، نجد أنّ استغلال القُصّر والانحرافات الجنسية المرتبطة بالنخب ليست جديدة، بل طُرحت مرارًا في ملفات متفرقة حول العالم، فهناك شخصياتٌ عامة تفاخرَت بانحرافاتها، وليس الأمر مقتصرًا على وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، بل تعدّاه إلى أسماء أخرى، ووردت بشأنها شهاداتٌ أو اتهامات على محور بالي–أكادير، من بينهم رجل الأعمال الأمريكي من أصول لبنانية، جورج نادر، الذي سُجن مرارا منذ التسعينيات بسبب تورطه في قضايا بيديفولية سبقت إبشتين بسنوات، و بالرغم من ذلك، ظل مستشاراً لرئيس دولة الإمارات الحالي حتى عام 2019، وآخرون كذلك، من بينهم فريديريك ميتيران، الوزير السابق وابن أخ الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، الذي نشر سيرته الذاتية عام 2005 يفتخر فيها ببيدوفليته مع غلمان تايلاندا، ورغم ذلك عُيِّن لاحقًا وزيرًا للثقافة الفرنسية بين 2009 و2012، إضافة إلى ما عُرف بشبكات مراكش، التي ضلع فيها مسؤولون فرنسيون ومغربيون، ولم تُكشف كامل تفاصيلها بعد،حسب ما صرح به أحد المسؤولين الفرنسيين.
ومن المفارقات أن اسم «إبستين» بالإنجليزية يُكتب بطريقة تشبه «أينشتاين»، غير أنّ إنجازات العالم الفيزيائي لم تؤدِّ إلى تغيير نطق اسمه تكريمًا له، رغم حساسية بعض الأوساط من أصوله ومن مواقفه السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، ولو كان هذا الأخير حيًّا اليوم، ربما وجدنا اسمه في ملفات إبشتين، مثل ما ورد اسم نعوم تشومسكي الذي يعتبره الكثير من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، بينما ظل اسمه طوال حياته مرتبطا بمؤسسات بحثية مرتبطة بالصناعات العسكرية السرية كمعهد ماساشوستس، ما يطرح تساؤلات عدة حول العلاقة المشبوهة بين المعرفة والسلطة.
هناك جزيرة إبشتين، وهناك ما يمكن تسميته «مملكة إبشتين» في جهة الغرب و«إمارة إبشتين» في جهة الشرق؛ فبينما تقع الجزيرة في الباهاما، امتدّت شبكات العلاقات التي نُسبت إليه عبر المحيط إلى مراكز مالية وسياسية في الشرق والغرب، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية، فالقضية لم تكن مجرّد مكان جغرافي، بل شبكة عابرة للقارات، ما يجعل أثرها يتجاوز حدود الجزيرة الصغيرة ويجعل إبشتين مجرّد جزيرة ضمن أرخبيلٍ واسع، تتشابه جُزره وإن اختلفت أسماؤه وأنظمته، كما أنّ «الجزيرة» لم تكن المكان الوحيد في العالم المرتبط بقصص مظلمة حول ملاذ بعض المشاهير والسياسيين، فالجزيرة التي أدارها إبشتين في إقليم الباهاما لم تكن سوى كبش فداء، أُريد به مُداراة محاورالشرالأعظم والتغطية عليها،علاوةعلى ذلك، هناك العديد من النوادي والمراكز العالمية التي لم تنل الاهتمام الإعلامي ذاته، مثل بوهميان غروف في الولايات المتحدة، وما يسمى «نوادي مراكش» في المغرب الأقصى، وحلقات طنجة وأكادير، وقضية «الباليهات الوردية» في فرنسا، وغيرها من المواقع التي تُستخدم كملاذات قانونية وأمنية للإفلات من الرقابة والردع في أوروبا، وكغطاء لممارسة الرذائل بعيدا عن أنظار الضفة الأخرى من البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
وليس هذا فحسب، فإنَّ تداعيات قضية إبشتين هزّت، بشكل مباشر وغير مباشر، بعض الدول العربية التي تسعى منذ سنوات إلى التمدُّد في ملفات لا تعنيها، حتى تحوَّل بعضها إلى منصّات مالية ومراكز عبور لمشاريع وتوجّهات أضرّت بالأمة أكثر مما أضرّ بها أعداؤها. وعليه، فإنّ قضية إبشتين، مهما بلغت بشاعتها، لا ينبغي قراءتها بوصفها حادثة معزولة أو مجرّد فضيحة أخلاقية، بل كجزء من مشهد أوسع تتقاطع فيه «نظرية الصدمة» مع صراعات التكتلات والنفوذ، فالصدمة تُستعمل لتوجيه الرأي العامّ، بينما تستمرّ في الخلفية معارك المصالح بين الدوائر الدولية.
علاوة عن ذلك، يبقى السؤال الجوهري ليس: هل سيتحوّل اسم إبشتين إلى عنوانٍ رمزيٍّ لهذه الظاهرة المزعومة؟ بل ما الغرض من إعادة تفجير ملفّه في هذا التوقيت؟ وكيف جرى توظيفه ضمن حربٍ عالميةٍ على الأخلاق والقيم؟ وما هي نتائجه وتداعياته؟
قد يبقى الكثير مجهولا، وربما لا جدوى من التنقيب في كل التفاصيل، فالله تعالى يقول: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}، وما علينا إلا التعامل مع الواقع بصدق ومسؤولية، وحماية شباب الأمة من أن تتحول هذه القضايا إلى مجرد “بهرجة إعلامية” تستدرج الفضول لأن المعركة الحقيقية هي اتخاذ إجراءات صارمة ضد أسباب الفساد المباشرة وغير المباشرة وصون الأجيال من الانحلال، قبل أن يصبح الكشفُ عن الفضائح مجرد صدى بلا أثر.
يبدو أن الجزائر في هذا السياق وكأنها بين طوفانين من الشمال والغرب؛ شمالٍ فرنسيٍّ تتكاثر فيه الأزمات الأخلاقية وتتداخل فيه الحسابات السياسية مع إرثٍ تاريخيٍّ معقَّد كما يزعم البعض، وجارة غربية تحوّلت، وفق تقارير وتصنيفات دولية وحتى إشادات غربية، إلى وجهة تُسوَّق على أنها “مثالية” للمثليين والميميين، وليست هذه مجرد أخبار أو إشاعات، بل أصبحت تناقش علنا في إعلامهم المحلي، بما يعكس دلالات ثقافية وسياسية تتجاوز البعد الاجتماعي الصرف.
هناك شخصياتٌ عامة تفاخرَت بانحرافاتها، وليس الأمر مقتصرًا على وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، بل تعدّاه إلى أسماء أخرى، ووردت بشأنها شهاداتٌ أو اتهامات على محور بالي– أكادير، من بينهم رجل الأعمال الأمريكي من أصول لبنانية، جورج نادر، الذي سُجن مرارا منذ التسعينيات بسبب تورطه في قضايا بيديفولية سبقت إبشتين بسنوات، و بالرغم من ذلك، ظل مستشاراً لرئيس دولة الإمارات الحالي حتى عام 2019، وآخرون كذلك، من بينهم فريديريك ميتيران، الوزير السابق وابن أخ الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، الذي نشر سيرته الذاتية عام 2005 يفتخر فيها ببيدوفليته مع غلمان تايلاندا، ورغم ذلك عُيِّن لاحقًا وزيرًا للثقافة الفرنسية بين 2009 و2012، إضافة إلى ما عُرف بشبكات مراكش، التي ضلع فيها مسؤولون فرنسيون ومغربيون، ولم تُكشف كامل تفاصيلها بعد.