باتريس بوفري، مدير المرصد الفرنسي للسلاح لـ "الشروق":
أرقام السفارة الفرنسية حول تعويض ضحايا التجارب النووية لا تعكس الحقيقة
يدير المرصد الفرنسي للسلاح ويرأس “لجنة الحقيقة والعدالة” التي تطالب فرنسا بأن تتحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في موضوع التفجيرات النووية التي أجرتها خارج ترابها، يعتبر باتريس بوفري من أكبر المطلعين على الملف والعارفين بالأضرار البيئية والصحية الخطيرة التي خلفتها التفجيرات في حق مناطق شاسعة وعشرات الآلاف من البشر، يشكل الجزائريون جزءا كبيرا منهم.
-
بعد عام ونصف، أعلنت لجنة تعويض ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية عن أولى نتائج أعمالها، كيف قرأت تلك الحصيلة؟.
-
إعلان اللجنة أنها درست وفصلت في 14 ملفا لطلب التعويضات، منها 13 ملفا رفضت طلبات أصحابها، وقبلت طلبا واحدا فقط، هو أمر يثير السخرية والضحك في نفس الوقت، ودعني أقول إنه لم يكن متوقعا عند أكبر المتشائمين الذين انتقدوا قانون التعويضات عندما صدر قبل عام ونصف، وقالوا إنه يفرض شروطا تعجيزية لقبول الملف والموافقة على الطلب. الملاحظة الأخرى أن كل الملفات التي فصلت اللجنة فيها حتى الآن تخص فقط فرنسيين عسكريين ومدنيين اشتغلوا سابقا في مناطق التفجيرات.
-
-
لكن الحكومة قالت الجمعة الماضي أنها تتجه لتعديل القانون وتخفيف شروط قبول الملفات وصرف التعويضات؟.
-
**هذا ما قاله ساركوزي، في أعقاب الصدمة التي أصابت كل من هو معني بالموضوع، وتزعم الحكومة الآن أنها تريد تعديل القانون بشكل يوّسع أولا من قائمة المناطق الجغرافية وقائمة الأمراض، اللتين يحددهما القانون كشرط لقبول ملف طلب التعويض، لكننا لا نعرف حتى الآن إن كان هذا المسعى يعكس إرادة جدية من الحكومة، لتدارك الأخطاء الكبيرة التي حملها نص القانون في صيغته الحالية، أم هو مجرد تسويف تفرضه الاعتبارات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، العام القادم، أقول هذا الكلام لأن عدة برلمانيين أودعوا مشاريع لتغيير القانون، لكنهم اصطدموا برفض الأغلبية اليمينية الحاكمة، ولذلك هناك قناعة لدى الكثيرين أن الأمور لن تتغير بشكل محسوس، ما دامت نفس الأغلبية والحكومة في السلطة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يجب أن نتذكر أن النص التطبيقي لقانون التعويضات يعطي السلطة التقديرية المطلقة للجنة التي نصبتها وزارة الدفاع وكلفتها بدراسة الملفات، أن تقبل أو ترفض طلبات التعويض، حتى مع استيفائها الشروط المفروضة، أي مطابقتها لقائمتي المنطقة الجغرافية والأمراض المحددة.
-
-
*أعلنت مؤخرا مصالح السفارة الفرنسية، بالجزائر أنها استقبلت 47 ملفا لطلبات تعويض أودعها ضحايا جزائريون للتفجيرات النووية في الصحراء، ما هي فرصهم؟.
-
**الأرقام التي قدمتها السفارة الفرنسية لا تعني شيئا، ولا تعكس الحقيقة، هذا ليس فقط رقم غريب إذا عرفنا أن عدد الضحايا الجزائريين المفترضين يقدر بعشرات الآلاف، وضمن الحصيلة الأولى المعلن عنها مؤخرا من لجنة التعويضات لا يوجد بين الملفات التي جرى الفصل فيها أي من ملفات الجزائريين ضحايا التفجيرات النووية في “رڤان” و”عين يكر” وغيرها من مناطق الصحراء الجزائرية، الشروط التعجيزية التي وضعها من سنّ القانون تقصي من حيث المبدأ طلبات التعويض ولا تسمح بتسرب إلى النزر القليل جدا منها.
-
-
*كيف تعالج الحكومتين الجزائرية والفرنسية في نظرك هذا الملف؟ .
-
من الضروري للحكومتين الفرنسية والجزائرية، أن تفرجا عن حصيلة عمل الفوج المشترك الذي نصبتاه قبل ثلاثة سنوات، وكانت مهمته تحديد درجة الخطر في المناطق المتضررة وتطهيرها مع عناصر إشعاعية قد لا تزال حية، أرى أن ذلك سيكون محكا حقيقيا للجدية في فتح الملف وتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية.
-
-
*حجب الجيش الفرنسي للأرشيفات الصحية والبيئية لتفجيرات الصحراء، ألا يعرقل أي محاولة للتعاطي جديا مع المشكلة؟.
-
هذا مؤشر قوي آخر على رغبة الغالبية الحاكمة اليوم بفرنسا في غلق ملفات الماضي وحجب حقائقها، ففي سنة 2007 صدر قانون يقيّد بشكل كبير الوصول إلى الأرشيف العسكري، ويستحدث فئة خاصة من الأرشيفات غير القابلة للكشف تخص أرشيفات التجارب النووية، العسكرية منها والإدارية والصحية، إذا من الضروري الضغط على الحكومة للكشف عن تلك الأرشيفات لمعاجلة التداعيات البيئية والصحية التي لا زالت التجارب النووية القديمة تفرزها إلى اليوم.