أشراط قيام “الفصل بين المال والدولة”
الظاهر من تصريحات الوزير الأول نهاية الأسبوع الماضي، ومن برنامج الحكومة المعروض على البرلمان، أن التغيير الحكومي الأخير لم يكن مجرد استبدال رئيس حكومة بآخر وتعويض ثلة من الوزراء بثلة بديلة، بل فيها مؤشر لبداية مرحلة مختلفة في تسيير البلاد تعوِّل على تجنيد الموارد الداخلية وتوزيع أعباء الأزمة، برغم إصرار تبون على صيغة “التغيير من باطن الاستمرارية” وقد تحمَّل نصيبَه من المسؤولية كعضو سابق في حكومة سلال.
أربع محطات على الأقل تساعد على فهم التوجهات البديلة التي تريد أن تجعل من حكومة تبون حكومة حصاد الدولة لجانب من الريع الذي وزعته بسخاء على القطاع الخاص في السنوات الأخيرة، وبإعادة توجيه الاستثمارات العمومية نحو القطاعات المنتجة لمناصب الشغل بدل المشاريع العملاقة المكلفة، مع غلق باب المضاربة على فرص خصخصة القطاع العام، ومواصلة سياسة ترشيد الاستيراد والإنفاق العمومي بدل تكبيل البلاد بسياسة تقشفية ضيقة الأفق، وأخيرا غلق باب اللجوء إلى الاستدانة الخارجية، والاستعانة عنها بأدوات الاستدانة الداخلية دون قلق كبير من تبعات التضخم.
جانب من الإعلام الوطني توقف عند جملة مشفرة للغاية للوزير الأول تقول: “لقد حان وقت الفصل بين الدولة والمال” وهي بالتأكيد تشي بموقف سياسي لا يمكن للوزير الأول أن يجهر به من غير تفويض من الرئيس، كانت قد وجدت بعض التجسيد لها في ما حصل من “تطهير” سريع داخل وزارة الصناعة التي كانت قد شكلت لفترة موطئ قدم لأرباب المال والأعمال بغاية تملُّك ناصية صناعة سياسة البلاد مستقبلا، وقد يقرأ فيها بعضهم واحدا من الأسباب الخفية التي كانت وراء ترحيل سلال من جهة، ورسالة تثبيط لكل من يحاول من قلب النظام وحواشيه إشراك قوى المال أو الإستقواء بهم في تحديد هوية الرئيس القادم.
رئيس الحكومة وجَّه رسالة صريحة لهذه القوى دعتهم إلى رد الجميل للدولة بالمساهمة عبر الجباية في توسيع مصادر تمويل أنشطة الدولة ووعدهم بـ”نظام جبائي عادل على الاستثمارات الصناعية الكبرى التي استفادت من عدة إعفاءات جبائية قبل دخولها مرحلة الإنتاج” بما ييئِّس من كان يراهن على حاجة الدولة للاستثمارات مقابل الانتفاع من ريع الإعفاءات الجبائية خارج أي سقف زمني.
الرسالة الثالثة وضعت حدا للمضاربات حول امكانية لجوء الدولة إلى خصخصة جانب من القطاع العام كخيار بديل للتمويل، وهو المقترح الذي قاول له الأمين العام للتجمع في السر والعلانية، فجاء الرد ـ بتفويض من الرئيس بلا شك ـ ليعلن السيد تبون عن مواصلة حماية المجمعات العمومية الكبرى، بل ودعم توسُّعها، في رسالة قد تعني ايضا جانبا من المستثمرين الأجانب وتضمر استمرار العمل بمبدأ 51. 49 في المشاريع الكبرى كخيار محوري في التنمية.
التأكيد بكثير من الثقة على هذه الخيارات لم يأت من فراغ، فقد استفاد تبون من قرار رئاسي غير مسبوق يسمح له بتفعيل سلطة الدولة الملكية على العملة الوطنية كأداة للتمويل الداخلي، ومنها خاصة مواصلة تمويل قطاع البناء والأشغال العمومية مع إشراك شبكة البنوك الوطنية، وأيضا بمنح الحكومة هامشا واسعا حيال الاستدانة الداخلية، كما يسمح له احتياطي العملة الصعبة المقدر بـ114 مليار دولار من إدارة سلسة لتغطية واردات الدولة في السنتين القادمتين.