أطفال يكدحون تحت الشمس الحارقة استعدادا للدخول المدرسي!
في هذا الصيف الملتهب الحرارة، وعلى قارعة الطرقات السريعة، وتحت شمس أوت التي تجاوزت الـ40 درجة مئوية، نشاهد كل يوم صور أطفال لم يتجاوزوا في غالب الأحيان 12سنة.. يبيعون الذرة، ونيرانُ الحطب في براميل حديدية تلفح أجسادهم الضعيفة.. منتشرين في كل الطرقات المحاذية للبحر والأماكن السياحية كالحمامات المعدنية.. وبين الأراضي الزراعية في بومرداس وتيبازة، تنافست البراءة على بيع “التين” و”التين الشوكي” و”المطلوع”، و كل شيء حتى البيض.. آخرون وجدوا في “الخردة” مصدراً للرزق.
أحد الأطفال في منطقة بومرداس، عندما همّ بشواء الذرة، سألناه باستغراب عن تحمّله اللهب الذي كان مشتعلاً في برميل مملوء بالحطب، وهو يقف بجنبه، والشمس تلفح رأسه وجسمه، فأجاب مبتسما “هكذا ويقولون 70 دج.. كثير جدا“، ثم التفت إلى شقيقه الأصغر منه، وكان يبدو سنه لا يتجاوز الـ9 سنوات، وطلب منه أن يمسك النقود منا ليضعها في حقيبة صغيرة معلقة في رقبته.
واستفسرنا عن دافع بيعهما للذرة، فأجاب الأكبر دون تردّد: “ومن يشتري لي ملابس وأدوات الدخول المدرسي؟“.
وهي الجملة التي رددها أطفالٌ من الذين انتشروا خلال هذا الشهر، ومع اقتراب الدخول المدرسي بشكل ملفت للانتباه، في الشواطئ، وبين المساحات الزراعية، في عين طاية، الحميز، برج الكيفان، خميس خشنة ببومرداس، وغيرها من المناطق الفلاحية.
وعلى الطرقات السريعة كطريق البليدة وطريق المدية والعاصمة وبومرداس، لا يمر سائقو السيارات دون أن يلفت انتباههم مشهد أطفال يسيل العرق من جميع أنحاء جسدهم، وتغبرت وجوههم واسودت من دخان المركبات التي تهددهم يوميا بالموت.
الفتيات هن الأخريات نافسن الذكور في بيع كل شيء، حيث قالت أمينة، 10 سنوات، والتي كانت تبيع التين في دلاء بلاستيكية في ناحية من منطقة عين طاية، إنها تدرس رفقة اثنين، ووالدها يعمل مزارعاً لدى صاحب مستثمرة فلاحية، ولا يكسب الكثير، ولحسن حظهم لديهم بستان لأشجار التين.
في السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، الدكتور يوسف حنطابلي، أن الانتشار المقلق لعمل الأطفال يعكس حقيقة الفقر في مجتمعنا، وتفاقم الظاهرة في الآونة الأخيرة، مرده للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجزائر. وقال إن غلاء المعيشة دفع بالعائلات التي تملك دخلا متدنيا لاستغلال أبنائها في كسب المال لسد الحاجيات الضرورية.
وحذّر من مخاطر ذلك وتأثيره على التحصيل العلمي للتلاميذ، لانشغالهم بالماديات، ولتدهور بنيتهم الجسمية، ضعف التفكير والتركيز لديهم بفعل التعب والإرهاق.
ويرى عبد الرحمان عرعار رئيس شبكة ندى، أن عمالة الأطفال تتفاقم بفعل التحولات الاقتصادية التي أثرت في الفئة الهشة من المجتمع، وأن قانون الطفل الذي تم المصادقة عليه، مؤخرا، يجب أن يُطبق من خلال آليات تعتمد على دراسات دقيقة، ومتابعة للعائلات المحتاجة.
ودعا إلى تشديد العقوبة ضد كل من يعرض أبناءه للمخاطر، ويستغلهم في العمل.