أعيش على حب الأطفال
عدنا معها وما جلبت بين جنباتها، أطفال صغارا أنشدوا: “ما أجمل الجو هنا ورفقتي وأبدعا …”. “سيدة الخميس” جاءت أنيقة كعادتها تتزين بـ”الجبة الفلسطينية”، وقالت: أنا صامدة صمود المرأة الفلسطينية، وواقفة شامخة شموخ “لالة فاطمة نسومر”، لن يٌغيرني الزمن… مجالسة “ماما نجوى” أشبه بدخول مكتبة عريقة تذهلك كتبها، وتفاجئك حكايتها وتبهرك عناوينها، هي كل ذا بما تحمله ذاكرتها من صور نادرة، وجدتني مع كل هذا تائهة أتململ، من أين أبدأ؟؟ وهي المجاهدة المنشطة المعلمة، المراسلة، القانونية، المذيعة، الكاتبة، والمكرمة هذا العدد في مجلة الشروق العربي بشهر الطفولة.
سأحمل السلاح يوما وأقتلكم جميعا!!
*مسيرة “ماما نجوى” أو السيدة “رانيا بن ستيتي”، بدأت كبيرة في عائلتها، التي تنحدر من ولاية “سطيف” بين أشقائها – ست أخوات وأخوين-. منذ الأربع سنوات، سنة- 1948 – انتمت إلى مدرسة “الشباب الحر” بـ”حسين داي”ـ وهي مدرسة عريقة أهدتها عائلة “بن صيام” لجمعية العلماء المسلمين، وبدأت بأول خطوة على مسار جدها، الذي تأثرت به كثيرا وهو السائر على درب “جمعية العلماء المسلمين”. المدرسة التي أعطتها تعليما وتكوينا وتفتحا، على الماضي والحاضر والمستقبل، إذ مارست فيها التنشيط كهواية على هامش الحفلات المدرسية. وبحلول الست سنوات، باشرت تعليمها بالمدرسة الفرنسية، ولم تتخل عن التعليم باللغة العربية رغم ما كانت تمارسه السلطات الاستعمارية من تضييق على المعلمين آنذاك، وهي لا تنكر اليوم فضل أساتذتها ممن لقنوها حرفا، مع كل المخاطر في ذلك الوقت على غرار كبار الأساتذة بزاوية الهامل، حيث درست العربية على يد الأستاذ “مصطفى قاسيمي”، والجغرافيا على يد الأستاذ “بابا أعمر” الذي درسها علم النفس، والأستاذ “ولد العويسي” الذي درسها التشريع الإسلامي.. وفي خضم كل هذا المشوار الدراسي تتقاطع الكثير من الصور والذكريات وتسترجع “ماما نجوى” أنفاسها لتقول: أبي كان موظفا بـ”سونلغاز” آنذاك، وأمي كانت خياطة، وكنا من العائلات الميسورة، ولكنه ـ رحمه الله – كان يصر على تعليمنا أنا وإخوتي، حتى بعد أن أغلقت مدرستي أبوابها نقلنا إلى مدرسة “ستي بيش”، ورغم كل التمييز والعنصرية التي كنا نعامل بها، إلا أنني كنت دائما متفوقة، ومع كل الظروف التي كنا نعيشها بدأت تنمو بداخلي أفكار التحرر وتجذرت أكثر بعد سجن الكثير من المعلمين. وبعد ما أوقفوا “الأحرار الخمسة”، أذكر ذلك اليوم، كنت أحمل جريدة “صدى الجزائر” وأنظر إلى صورهم وأقول للجنود الفرنسيين بالطريق: “سوف ترون سأحمل السلاح، وأقوم بقتلكم جميعا..”.
توشحت العلم الوطني في مظاهرات 11 ديسمبر
*ولأن البراءة لا تنطق عن هوى، ولأن هذا الشبل من ذاك الأسد، ولدت أصيلة “آل بن ستيتي” مفتونة بالثورة ورجالتها، وهي التي كانت تنصت بتركيز عال لجدها، وهو يروي بطولات “بوعمامة” و”المقراني”، ولأن حب الوطن فوق كل اعتبار، اتجهت بين سنتي 1959 و1961 لنقل رسائل المجاهدين عبر عدة مناطق من العاصمة، كيف لا وهي التي تأثرت عظيم التأثر، بوفاة جدها سنة 1951 تحت التعذيب بعد أن شارك في مظاهرات 08 ماي 1945. شاركت “ماما نجوى” أيضا في مظاهرات 11 ديسمبر 1961 وكانت تتوشح العلم الوطني، ثم ما لبثت أن عرض عليها المجاهدون الالتحاق بالجبل، وكانت تقوم بدور كبير وهي التي تجيد الرقن على الآلة باللغتين، كما كانت تدرس المجاهدين، بالإضافة إلى تكليفها بمهام التنقل من وإلى العاصمة، وهي التي ساعدتها هيئتها الأوروبية وإجادتها للغة الفرنسية على عدم اكتشافها، من قبل المستعمر. ومن أجمل ذكرياتها المحفورة صور الاستقلال التي لا توصف.
البداية من البي بي سي وصولا إلى عالم الأطفال
*جدة إيمان “ماما نجوى”، ولجت عالم الشغل مبكرا إذ اشتغلت كمراسلة لهيئة الإذاعة البريطانية “بي. بي. سي” بالقسم العربي، حيث ساهمت في التعريف بعدة مناطق، ومدن جزائرية. كما بدأت التعليم، وأول منصب كان بثانوية “الأمير عبد القادر”، ثم انتقلت إلى الحراش في ثانوية “وريدة مداد” وعمرها 18 سنة. وهو أول منصب لها كمدرسة في 28 جوان 1961، ثم أكملت دراستها لتتحصل على شهادة في الأدب من جامعة الجزائر، ثم شهادة في الأدب العربي بـ”مدرسة الثعالبية” التي تخرجت منها معلمة، لكنها لم تكتف عند هذا الحد لتنال شهادة في الحقوق بعد 3 سنوات من الدراسة بكلية الحقوق التي دخلتها بعد الاستقلال. ولأنها لم تكل ولم تمل واصلت النشاط، واختارها القدر والصدفة أن تدخل الإذاعة من أبوابها الواسعة بعد لقاء مع الكاتب “عبد الحميد بن هدوقة” الذي اقترح عليها التنشيط الإذاعي كل يوم خميس وأحد، لتفتك بجدارة لقب “سيدة الخميس” وتطل على الأطفال صوتا. في الإذاعة أسست “ماما نجوى” فرقة أناشيد، وقادتها إلى التأليف والتلحين لتمضي كل الأناشيد، التي كان الأطفال يقدمونها في هذه الحصص سواء في الإذاعة أو التلفزيون من تأليفها وتلحينها. بعد التربص الذي خاضته في ألمانيا 1974 وبتشجيع من الأستاذ “لمين بشيشي” انتقلت المنشطة بعد مشوار ناجح في الإذاعة إلى التلفزيون، وكانت أول حصة نشطتها: “جنة الأطفال” سنة 1976، ثم برنامج “بين الغابات الجميلة” التي شاركتها في تنشيطها المذيعة القديرة “زينة”، و”نادي الأطفال”، هنا تعود شقيقة دليلة الوفية ماما نجوى “إلى استنطاق الذاكرة: “..كنت صغيرة، أتابع حصة جنة الأطفال التي كان يعدها “رضا فلكي” و”زهير عبد اللطيف”، وكنت من مراسيلها الدائمين. وكانت تقرأ رسائلي مباشرة، سبحان الله تحولت لمنشطتها تحت إشراف المخرجين “رضا فلكي”، و”زهير عبد اللطيف” إلى جانب “بوثلجة” الذي كان من أبرز الذين شجعوني وآزروني في مشواري..”. “ماما نجوى” التي نشطت خلال مسيرتها أزيد من 7 حصص للأطفال بالإضافة إلى الحصص الخاصة مثل تلك الموجهة للمعوقين وتلك الخاصة بالمناسبات الخاصة والأعياد الوطنية وشهر رمضان مثل حصة “التجميل وطاجين العائلة” التي كانت تنتجها السيدة “مونية”. والحصص المشتركة التي رافقت فيها عدة أساتذة ومنشطين. كما كانت أول من نشط برامج المخيمات الصيفية في السبعينيات وبرامج “ألعاب ومنوعات”. وكانت آخر حصة نشطتها في التسعينيات قبل أن تنسحب في هدوء “عالم الأطفال” التي قدمت منها بضع حلقات، ثم توقفت، لكن هيهات أن تسكن أو تتراجع، لازالت تراوح الطفولة براءة، وتعانقها أينما سنحت الفرصة وفي كل ربوع الوطن ضيفة مبجلة وعزيزة مكرّمة وهي التي اختارت البراءة تعاملا وسلوكا في الحياة، إذ تعكف على تأليف العديد من الكتب الموجهة للصغار، كما جمعت 196 حكاية من التراث الشعبي المسجلة بصوت والدتها –طيب الله ثراها.
كل شيء يُعبث فيه في وطني
*عادت “ماما نجوى” إلى أيام البهجة وأدخلتنا حديقة “الحامة” التي تقصدها للراحة، أدخلتنا من البوابة قبالة المتحف: “أحب كثيرا الحدائق ومنظر حديقة الحامة أين كانت تبدو عائمة في البحر، لا تفارق مخيلتي وذاكرتي ووجداني.. للأسف اليوم أجبرت على أن تقبر بمنظر الإسمنت. حديقة الحامة ليست وحدها التي ُعبث بها، حتى أطفالنا ومقرراتهم الدراسية ومدارسهم، بل حتى براءتهم عبثت بها الكثير من الأمور الدخيلة على مجتمعنا، كالاختلاط في المدارس، وعدم إيلاء البرامج المدرسية الاهتمام العلمي والنفسي والتثقيفي المنوط بها. اليوم ومع كل الإمكانيات المتاحة ولا برنامج متكامل موجه للأطفال!! والسبب يعود إلى غياب أساتذة أو الدائرة التربوية والمدرسية، التي كانت في الماضي تحرص على أن تقدم أفضل البرامج الموجّهة للطفل بكل عناية ودقة وموضوعية، حيث كانت هذه الدائرة الموجودة بأحد مباني التلفزيون تضم فريقا من الأساتذة والنفسانيين والملحنين الذين كانوا يتعاونون جميعهم لإعداد حصص الأطفال التي كان هدفها تربوي“.

“ماما نجوى” المرأة التي لا تنكر فضل أحد ومسجلتي شاهدة على وفائها لكل من ساندها في مشوارها وقدم لها العون اسما ولقبا مع حفظ الألقاب. أصرّت على قول “شكرا” لكل من صافحها يوما محبة أو عملا أو حتى صدفة.