أمة مرفوع عنها القلم؟
عندما باشرت الشروق اليومي تقصّي مصير الكثير من السفّاحين، الذين عاثوا في الأطفال قتلا في السنوات الأخيرة، كانت تصطدم بكون غالبيتهم من المختلين عقليا، أو الذين عانوا من مشاكل نفسية عويصة، أهّلتهم إلى أن يتحوّلوا إلى خاطفين وذبّاحين ومجرمين من الطراز “المافياوي” الأول، وكانت تصطدم بأن البعض منهم حرّ طليق، يتنفس الهواء مع بقية أطفال الجزائر، والبقية من المرضى “الصغار” ينتظر الفرصة ليترقى إلى درجة الخنق والقتل، وعندما يصل الحال في الجزائر إلى عائلات تأوي في مساكنها مرضى عاجزين عن التمييز بين الموت والحياة، ويصل الحال بمؤسسات تشغّل فاقدي العقل والتفريق بين العمل والعبث، وأمهات برغم مرض إبنائهم إلا أنهن يبحثن لهم عن زوجات، فإن وصول الجريمة المركّبة إلى القاضي قد تؤدي به إلى الإصابة هو أيضا بالعدوى، فيقيّدها ضد جنيّ في بلد، إن واصل على هذا المنحنى فسيصاب بالكامل بالمسّ.
الغريب أن الجزائر التي بنت الجامعات والمساكن والسجون والمستشفيات، لم تهتم أبدا ببناء المصحات النفسية، وتكاد تكون كل مستشفيات الأمراض العقلية المنتشرة في الجزائر، من الموروث “الصحي الاستعماري”، وإذا كان المواطنون في كل المدن والقرى لا يتعبون في البحث عن المختلين عقليا الذين يملؤون الطرقات ويقدمون صورا من العنف، وأحيانا من الميوعة بالتعري، وأخرى من البؤس، فإن ما خفي أعظم، لأن المرض النفسي درجات، والعائلات الجزائرية ما زالت تصرّ على أن المرض النفسي جريمة وفضيحة، رغم أن عدم الاهتمام بالمريض ونقله إلى المصحة أو إلى المستشفى هو الجريمة الكبرى التي من المفروض أن يحاكم عليها مقترفها، تحت طائلة عدم مساعدة شخص في حالة خطر، أو عدم الإبلاغ عن حادثة خطيرة، وصار”الجنون” مشجبا يعتمد عليه الكثيرون بما في ذلك الدولة التي تصف المنتحرين حرقا، والمحتجين والهاربين عبر البحر بالمختلين نفسيا، كما كان يحدث في عهد أنور السادات، عندما كانت تهمة الجنون هي التي يروّجها ضد أي معاد لمعاهدة كامب ديفيد، حتى أنه وصف البطل سليمان خاطر، الذي أطلق النار على الصهاينة دفاعا عن شرف المصريات بالمجنون، وحوّل بالقوة الكثير من الساسة ومن رجال الدين والمثقفين إلى مستشفيات الأمراض العقلية، ليمنح لنفسه البراءة بكونه رئيسا بلا أعداء، وينقل التهمة لغيره.
أكيد أن المجنون شرعا مرفوع عنه القلم، فلا ثواب له ولا سيئات عليه، ولكن السيئات تتبع الذي يحرمه من الطب، أو الذي يمنحه فرصة التعامل مع الأبرياء، ثم يحاول الظهور بعد ذلك كشاهد وربما كضحية هذا الذي ارتكب جريمة من دون إدراك، والإحصاءات التي قدمتها مصالح الدرك الوطني ومصالح الحماية المدنية، قالت أن غالبية المنتحرين والمنتحرات خاصة في القرى المحافظة هم من الذين يعانون مشاكل نفسية قاسية، من دون أن نسمع عن متابعة أمّ حرمت ابنتها من التداوي لدى النفسانيين خوفا مما تعتبره فضيحة، أو مدير شركة استخدم أحد من أفراد عائلته من المرضى وأدخله في دواليب الاقتصاد المتعثر، أو مسؤولين بنوا كل شيء إلا مصحة لمداواة المختلين ومداواة أنفسهم؟