أمن قومي؟!
أكثر ما يثير النرفزة وفوران الدم ويرفع الضغط في الخطاب الرسمي المصري، كلمتي “الأمن القومي”، فباسم هذا المبدأ وحفاظا عليه، تُصّر القيادة المصرية على اتخاذ قرارات جائرة، مما لا يخطر على قلب إنسان عربي ومسلم واحد، لا بل إنها تبدو في أحيان عديدة، قرارات أكثر تطرفا من الغرب المختلف عنا في الدين واللسان، مثلما يفعل الفرنسيون وغيرهم من الأجانب هذه الأيام دفاعا عن قافلة شريان الحياة؟!
- مصر الرسمية، وليس مصر الشعبية، تحاصر الغزاويين وتقيم جدارا فولاذيا لعزلهم باسم الحفاظ على الأمن القومي، وتتحالف مع الإسرائيليين حفاظا على الأمن القومي، وتشتم الجزائريين وتسب شهداءهم حفاظا على الأمن القومي، وتهدّد بقطع العلاقات مع قطر وسوريا باسم الأمن القومي، وتبحث عن التأهل للمونديال والفوز بكأس إفريقيا، حماية لهذا الأمن القومي، وتمنع حفلات المغنيين والراقصات عن الشعوب العربية الأخرى حفاظا على الأمن القومي؟!
-
الحجة ذاتها تستعملها أمريكا هذه الأيام، مع ولادة بوش جديد اسمه باراك أوباما، يتهم الجميع بتهديد أمنه القومي، بما في ذلك الجزائريين الذين لن يجدوا مدافعا مصريا واحدا عنهم من آل مبارك وأتباعه، طالما أن بعضهم يزايد على الأمريكيين بالتحريض على قتل الجزائريين بسبب مقابلة في كرة القدم، فهل إذا انتصرنا مثلا في المونديال على الفريق الأمريكي ستعتبرنا واشنطن أننا إرهابيون نهدد الأمن العالمي؟!
-
الفكرة تبدو عبثية، لكن العبث في وقتنا الراهن تحوّل إلى سياسة دول وإستراتيجية حكومات وعقيدة جيوش، ونحن نريد من وراء سردها، لفت الانتباه إلى ذلك التطابق الشديد ما بين سياسة النظام المصري والأمريكي، أو ما بين شرم الشيخ والبيت الأبيض، تطابقٌ حذّر منه منسق حركة كفاية عبد الحليم قنديل في حواره أمس الأول على قناة الجزيرة، عندما قال أن جدار العار الذي يبنى على الحدود مع غزة، يتم وفقا لإملاءات أمريكية وإسرائيلية.
-
أكثر من ذلك، فإن الريادة المزعومة التي تتحدث عنها مصر، لا تتحقق بالأمن القومي وحده، بل تتحقق بصيانة الكرامة وحفظ السيادة وتكريس الديمقراطية، وإلا فأي كرامة وأي سيادة وأي ريادة، تبقى في ظل تدخل إسرائيلي وأمريكي لاختيار الرئيس المصري المقبل، من خلال الموافقة على مشروع التوريث النجس.
-
مصر الرسمية، ومن والاها من العرب والعجم، يفهمون الأمن القومي فهما خاطئا، ويفسرونه على هواهم ويخيطونه حسب مقاسهم، وهو أمر خطير تتبناه الأنظمة العربية عموما، ويستدعي أمرين لا ثالث لهما، مثلما قال البعض، فإما تتخلى تلك الأنظمة العربية عن صفة العربية، أو تتنازل عن صفة الأنظمة، ولا يوجد أيّ حل ثالث.