-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أنا يا جيجل من أنصار نظرية المؤامرة

حمدي يحظيه
  • 184
  • 0
أنا يا جيجل من أنصار نظرية المؤامرة

حزن العالم كله وحزنّا معه على احتراق مدينة جيجل كما لم نحزن على أية مدينة أخرى أتت عليها النيران أو دمرها الزلزال أو دمرتها القنابل في العالم وفي التاريخ. حتى الذين لم يذهبوا إلى جيجل ولم يزوروها حزنوا لحريقها ولمصيبتها.

لقد شهدنا اشتعال النار في الكثير من مدن العالم من قبل، وشهدنا اشتعال الغابات والمزارع، وشهدنا الزلزال يدمر الكثير من المدن، وعشنا كيف عبثت الفيضانات بآلاف المدن، لكن الحزن الذي حزنّاه على جيجل لم نحزنه على مدينة منكوبة من قبل مَهما كانت قيمتها أو جمالها. حتى لو كنا عشنا في العصر الذي احترقت فيه روما، ورأينا نيرون يحرقها وهو يستمع لفرقته الموسيقية تعزف لحن النار، لما حزنا عليها حزننا على احتراق جيجل. حين اشتعلت النار في جيجل أحسسنا أن قلوبنا احترقت، وأن شيئًا جميلاً نحبه التهمته النيران في داخلنا؛ أحسسنا أن قارورة عطر تكسرت، وأن لوحة فنية احترقت، وأن فراشة جميلة حاصرتها النيران أمام أعيننا ونحن غير قادرين على فعل أي شيء ما عدا الدعاء والبكاء والذهول وعدم التصديق. الحزن على نكبة جيجل فاق التصور. قد يكون السبب أن الغريزة البشرية تهفو لخلود الجمال وتحزن لفنائه، وجيجل قطعة من الجمال أو أسطورة من الأساطير التي أحببناها وتعلقنا بها رغم عدم عيشنا فيها. في نفوسنا بقعة لا نستطيع تحديد مكانها بالضبط تحب أن يخلد الجمال، وأن ينتصر على الفناء، وكانت جيجل رمزًا لهذا الجمال الساحر. كل الذين زاروا الجزائر كان السكان ينصحون بزيارة مدينة جيجل، وكانوا يقولون لهم إن من لم يزر جيجل فزيارته إلى الجزائر ناقصة. في سنة 2002م، قررت أن أزور جيجل لأقف وجهاً لوجه أمام عروس البحر، أمام درة الجزائر، أمام معجزة الله على الأرض. سمحت لي قوانين الظروف أن أبقى فيها يومين فقط. حين قلت للذين ركبوا معي التاكسي الجماعي إنني ذاهب لأزور جيجل لمدة يومين سخروا مني. قالوا لي إذا لم تبق أسبوعين في جيجل فلن تكتشف كل زواياها الجميلة، ولن تستمتع بجمالها، ولن ترى ألوانها ولن تسمع صوتها ولن تشم عطرها. كانت نصيحتهم الذهبية لي، بما إنني سأبقى يومين فقط، أن أخصص اليوم الأول للصعود إلى أعلى مرتفع في المدينة لرؤيتها من أعلى ثم أمرُّ على الغابات ثم أذهب إلى الشاطئ. كان الفصل ربيعًا، وبدت جيجل من أعلى هضبة كلوحة سريالية تفوق الخيال. كانت الألوان الخضراء والصفراء والبنفسجية تتمازج وتتراقص، تقيم احتفالا هنا واحتفالا هناك، وكانت الطبيعة ترش عطرها بسخاء في فضاء المدينة المتوشحة بالاخضرار. كان الضوء كثيفًا، أكثر كثافة من الضوء في أي مكان آخر من العالم. وتوجهت نحو الشاطئ، وحين وصلت ظننت أنني نزلت في جزيرة من جزر الأحلام البعيدة، وأنني انفصلت عن العالم. لون ماء البحر أزرق عند الشاطئ، لكن كلما أمعنت النظر إلى العمق يصبح لونه أخضر. من الأعماق يصعد بخار على شكل ضباب ثم يمتزج مع الضوء الباهر فيتكون شيء يشبه البلور. الصخور التي تسبح في البحر لونها برونزي، تشبه صخور الجزر المتخيلة التي تظهر وتختفي. رائحة النباتات والأشجار فوق التلال تصل إلى أسفل، وتختلط مع رائحة البحر ورائحة الرمل المبتل. تؤدي النوارس رقصة في فضاء ذلك الجمال الباهر. تحلق مقتربة من سطح البحر حتى تكاد تلامس الماء ثم ترتفع حتى تختفي في البخار البلوري. الذي فاجأني أن الكثيرين ممن التقيت بهم قالوا لي إن أجدادهم قدموا من الساقية الحمراء للجهاد ضد الإسبان في قرون ماضية.
أنا يا جيجل من أنصار نظرية المؤامرة
لن أصدق أن النيران التي التهمت جيجل وباقي المدن ناتجة عن حوادث عرضية. أجزم أن المدينة تم استهدافها، ولولا الخوف من الحِنث لأقسمت أنه تم حرقها حرقًا بيد فاعل وبتخطيط فاعل وبعود ثقاب أشعله فاعل. كيف للحادث العرضي أن يشعل النيران في لحظة واحدة على شكل طوق من اللهب حول المدينة ويحولها إلى رماد؟ النيران كانت عظيمة، وألسنة اللهب التي تعالت في السماء لا تأتي من حريق الأشجار العادي. أول ما يخطر على ذهن من يرى تلك النيران تتصاعد هو نيران البراميل المتفجرة، ونيران المواد سهلة الاشتعال. ظننا أن قنبلة نووية رُميت على جيجل. حجم النيران ومساحة انتشارها يشبه حجم نيران قنبلة نووية. من يرى صورة المدينة من أعلى بعد الحريق، وقد تحول اللون الأخضر إلى أسود، وتحولت الغابات إلى فحم، يظن أن قنبلة نووية ألقيت عليها. لقد أحرق الأعداء مدينة جيجل انتقامًا من الجزائر.
أول مقارنة خطرت على ذهني وأنا أرى النار تشب في ألوان وجَمال جيجل هو مقارنتها بحريق يشب في متحف للوحات الفنية. احترقت لوحة البساط الأخضر ولوحة البحر الأزرق ولوحة النوارس الراقصة في الفضاء ولوحة عباد الشمس. احترقت قصيدة كُتبت بحبر أخضر على ورق لونه وردي. جيجل كانت اغنية صيفية جميلة؛ كانت لحنا سماويا تعزفه قيثارة ساحر. كم هو عظيم الحزن على جيجل. لا توجد كلمات في قاموس الرثاء تستطيع أن ترثيها. جيجل خُلقت لتكتب فيها قصائد الجمال وليس قصائد الحزن. العزاء أنه من بين الرماد واللهب ترى رجلاً يحارب النار وجهه مسود وهو يقول بتحدٍّ: “من هذا الرماد نقولو بلي نبقاو هنا ونموتو هنا ونغرسوها خضراء بإذن الله”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!