أنظمة الفساد سقطت لكن فلولها لا تزال تصنع الفوضى
تمر الثورات العربية بمخاض قد يعيدها لدرجة الصفر، بعد ما جابهت ثورات مضادة من قبل أتباع الأنظمة والمستفيدين من الأوضاع القائمة، كما قد تعصف أنانية بعض ممثلي التيار الإسلامي بالنتائج المحققة، خلال مرحلة البناء. وقد تطرقت “الشروق” مع مجموعة من السياسيين يمثلون دولا عربية عاشت الثورات الشعبية لإسقاط أنظمة مستبدة، وذلك على هامش الملتقى الدولي التاسع للراحل الشيخ محفوظ نحناح المنتظم بالعاصمة، يومي 15 و16 جوان، من قبل حركة مجتمع السلم، لمصير الثورات العربية ومدى تحقيق أهدافها ميدانيا، مستقبلا، وكذا إمكانية وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، على غرار المملكة المغربية.
نور الدين قربال رئيس اللجنة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي:
يجب على الإسلاميين تذويب الحساسيات وأنانية البناء لوحدهم
أفاد نور الدين قربال، رئيس اللجنة السياسية لحزب العدالة والتنمية المغربي أن الثورات العربية هي نتيجة نضال الحركات الوطنية، وأن الربيع العربي عجل بالإصلاحات، في ظل بروز قوى جديدة بأمريكا الجنوبية وآسيا، وبقاء الاستثناء والتخلف في العالم العربي الغني بثرواته خاصة بعد انهيار دول أوروبية، مما أبرز احتجاجات تدعو لنهضة عربية وانتفاضة ضد معالم الاستبداد.
وعن مستقبل الثورات، قال المتحدث: “ما أسهل النجاح في الربيع العربي، وما أصعب تدبير مرحلة ما بعد الانتفاضة لبناء مؤسسات قوية، ولا يمكن لفصيل من الفصائل ادعاء بناء الصرح الجديد لوحده، وأدركنا ذلك في التجربة المغربية”، وأوضح “يجب استحضار الآخر (الغرب) الذي يريد أن يستفيد من خيرات وطاقات البلاد العربية، وعليه يتطلب الأمر توافق للتدبير الداخلي ونريد تذويب الحساسيات لبناء دولة المؤسسات لمواجهة الاستبداد بمؤسسات ديمقراطية وحكومة قوية، وننهج الحكامة وبسط المسؤولية بالمحاسبة وتفعيل القضاء والتفكير في التنمية الاجتماعية”.
وأوضح ممثل حزب العدالة والتنمية المغربي أن الرؤية الأحادية لن تنجح، والدستور هو القاعدة، وأنه لا يجب التركيز على منصب الرئيس المتغير، وأن المطلوب من الإسلاميين أن يتواجدوا في مؤسسات التدبير العام.
وعن تجربتهم، قال قربال “ليس لدينا أغلبية مطلقة، والمهم في المغرب أننا وضعنا الدستور وحصل توافق، والمعارضة باتت واضحة وصلاحيات الملك واضحة”، مضيفا “ولقد وجدنا مشاكل وعجزا تركته الحكومات السابقة، تلاها الجفاف والأزمة المالية وارتفاع أسعار البترول، وكنا مضطرين لإجراءات اقتصادية كرفع أسعار الوقود، ومع ذلك أعطت الحكومة إشارات اجتماعية قوية، منها رفع منحة الطلبة بداية من شهر أكتوبر تصل إلى 300 درهم، ووضعنا صندوق التكافل العائلي مهمته إعطاء راتب للمطلقات العاجز أزواجهن السابقين على تسديد النفقة، بالإضافة إلى صندوق التماسك الاجتماعي تموله الباترونا مقابل أرباح”.
وأكد القيادي في حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة المغربية أن الحوار مفتوح في المغرب حول إصلاح العدالة والإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن كل من لديه ملف إدانات يقدمه للتحقيق أمام القضاء، مستدلا بإيداع مدير المطارات المغربية في الحبس في الوقت الراهن، والشروع في التحقيق مع المدير العام لصندوق القرض السياحي والعقاري، والفضيحة التي أعلنها البرلمان وفتح تحقيقا بشأنها، والمتعلقة بوزير المالية السابق الذي كان يأخذ أموالا غير مشروعة.
وأفاد المتحدث أن تقوية المؤسسات الديمقراطية يحارب الاستبداد، والحكم الراشد، وربط المسؤولية بالمحاسبة يحارب الفساد.
وعن الوضع في مصر واتهام الإخوان بالاستحواذ على الصلاحيات داخل البرلمان وبذلك تضييع فرصة الحكم ونجاح الثورة، اعتبر قربال بأن الرئيس المقبل لمصر لن يكون له سند برلماني، عقب شل البرلمان، مؤكدا تأثير العسكر على بوادر الحكم نظرا لاستراتيجية المنطقة التي تؤثر فيها إسرائيل، مضيفا “الإخوان المسلمون كان بإمكانهم عدم الترشيح، لكنهم راهنوا على الاستقرار، ولم يكن هدفهم الاستحواذ على كل الصلاحيات داخل البرلمان”.
محمد جميل منصور رئيس حركة التواصل الموريتانية:
مصر تتأرجح بسبب قوة الثورة المضادة
يجزم رئيس حركة التواصل الموريتانية، محمد جميل منصور، وهو نائب برلماني على أن ثورات كل من تونس، مصر وليبيا وغيرها، والتي تواجه حاليا بعض التحديات، بأنها كانت حالة ايجابية في الوطن العربي، وأن التاريخ سيسجل بأن هذه المنطقة ملت الاستبداد والفساد، وملت معه الأنظمة التي لا تحسن خدمة شعوبها، وهو ما ولد انفجارا وانتفاضة لدى الشعوب لم يعد أي حزب أو تيار أو نظام قادر على منعها، معتبرا أن النظام الجديد في تونس يخطو خطوات، وفي مصر هناك حالة انتقالية وإشكالية حقيقية نظرا لحجم مصر ومكانتها وقدرات الثورة المضادة، وفي ليبيا العنف الشديد يتحمله النظام السابق، الذي أرهق مواطنيه، وفي سوريا يستمر النظام ويتشبث من خلال إراقة الدماء، ويفرض بذلك المستبدون حالة من المقاومة واستعمال السلاح لاسترجاع مبدأ الحرية والديمقراطية.
وعن الصعوبات الاقتصادية التي تواجه البلدان الثائرة شعوبها، أوضح المتحدث “أن هناك ضريبة للثورات للتخلص من الأنظمة، تتمثل في صعوبات اقتصادية، مضيفا “لكن العيش في أفق مستقل، أفضل من اقتصاديات متوهمة تذهب في الغالب للعوائل الحاكمة ودوائر زبانيته، ودليل ذلك بلد تونس الذي لم يكن في حرية ولا اقتصاد جيد”.
وأضاف جميل منصور “اعتقد أن الأهم في الحراك العربي أن تصل الشعوب الى الحكم، وتختار من يحكمها وتقرر في الوقت المناسب أن تغير من انتخبتهم، وأن يحكم الإسلاميون فهذا أمر ثانوي، وفيما يظهر الإسلاميون الأكثر استفادة من الثورات، يمكن القول أنهم، في الوقت الراهن، أمل للشعوب ومتنفس الحرية والعدل، أما إذا فشلوا فسيكون مصيرهم عقاب الشعب لهم”.
وعن فشل تجربة الإسلاميين في الجزائر مطلع التسعيينات، ومحاولة خصوم الثورة تسويق ذلك لقطع الطريق على الإسلاميين، يؤكد منصور أن الأمور مختلفة، وأن خطاب الاعتدال والديمقراطية يسود أكثر مما كان في الماضي، وأن الشعوب نفسها قادرة على المراقبة، وأن موقف الغرب يشهد تحولا بحكم المصالح وموازين القوى، مضيفا “وبروز الإسلاميين، هذه المرة، ليس ناتجا عن استقطاب بين الإسلام والعلمانية بالدرجة الأولى، ولكن حركة شعبية واسعة لتقويض الاستبداد”.
وعن وضع الإخوان في مصر، قال رئيس حركة التواصل الموريتانية “لا شك أن الإخوان أخطأوا في مسار الثورة وأظهروا نهما، وقد يكون حقيقة لم يسيروا مع أطراف أخرى فاعلة في الثورة، وربما ساهم سلوكهم في الاستقطاب الثنائي الذي انتهى إليه المشهد اليوم، ولكن ما حصل اليوم ليس بسبب فعل الإخوان، السبب الرئيسي وإمكانية التراجع هو حجم الثورة المضادة، والتي لا شك أنها تجد أطرافا داخلية ودولية وإقليمية عربية للأسف تخاف من أن تتحرر مصر”.
وما يهم من نتائج الثورات، حسب جميل منصور، هو أن تصلح البلدان العربية عامة، وتؤسس دولا تقوم على العدل والمساواة، ويبقى التيار الإسلامي ليكون في قلب الحدث، والأصلي أهم من الحزبي أو الحركي.
أما عن موريتانيا، تأسف المتحدث عن عدم تمكنهم من حماية التحول الديمقراطي، بعد عودة العسكر من جديد بانقلاب، سنة 2008، زكته انتخابات، سنة 2009، لتبقى حالة احتقان ومسيرات ومطالبة بالتغيير مع تشبث النظام، مؤكدا أن موريتانيا تتموقع في منطقة أمنية حرجة.
غزوان مصري مستشار حزب العدالة والتنمية:
الثورات واقع حتمي في ظل أنظمة همها توريث الحكم
أكد غزوان مصري، نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي وممثل الرئيس في جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك، أن الثورات العربية واقع لابد منه، وأنه لا يمكن الاستمرار بأنظمة همها الوحيد توريث الحكم، معتبرا أن قيام الثورات كان متوقعا، مضيفا “غير أن ثورات بهذا الشكل لم تكن منتظرة، وسارعت في حدوثها وسائل الاتصال الحديثة، ولم يعد بإمكان الشعوب الصبر على الأنظمة الدكتاتورية”.
وقال المتحدث “من الطبيعي أن الشعب يريد الحرية والتنمية والعيش بنفس مستوى دول أوروبا مع تطوير المشاريع”، مضيفا “الشباب العربي يبحث فقط عن فرصة عمل ويضطر للبحث عن مخرج في دول أوروبا، فكان من البديهي وكرد طبيعي قيام ثورة، في ظل 65 بالمائة من الطاقات و40 بالمائة من المواد الخام موجودة في العالم الإسلامي”.
وعن وضع الاقتصاد في دول عاشت الثورات ومستقبل تلك الدول، قال غزوان مصري وهو مستشار لحزب العدالة والتنمية، “لم يكن الاقتصاد كما كان قبل الثورة العربية، ولابد من تغيير وتجديد، وحقيقة هناك نكسة، وحسب زياراتي لتلك البلدان المعنية، أتوقع أن يعود الاقتصاد لوضع أفضل والكل ينتظر الفرصة وهو أمر متوقع“. أما عن القضية السورية فقال المصري أن تركيا وجدت نفسها لوحدها ولم تجد سندا عربيا، وبأن القريب تخلى عن القضية قبل البعيد، وأضاف “الحزب الإسلامي الصغير في تركيا يعرف أنها مؤامرة إسرائيلية أمريكية، وحزب العدالة والتنمية متمسكا بذات الرؤية”.
وعن إمكانية وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم، قال غزوان “بغض النظر عن تقلد الإسلاميين الحكم أم لا، المهم هو من يخدم الشعب والشباب الإسلامي أو غيره يتطلع لمن يخدمه وسينحاز لكل من يحل انشغالات المواطن، والشعوب تعبت من أنظمة همها المحافظة على الكرسي”، موضحا “في تركيا استطاعوا استيعاب كامل الطاقات الإسلامية وغيرها، وأتمنى أن يحصل ذلك في باقي الدول العربية”.
عبد المنعم حريشة عضو الهيئة العليا بحزب العدالة والبناء الليبي:
أنظمة الفساد سقطت لكن دوائرها لا تزال تصنع الفوضى
أعاد عبد المنعم حريشة، عضو الهيئة العليا بحزب العدل والبناء الليبي بروز الثورات العربية ضد أنظمة الحكم المستبدة، لمرور الشعوب العربية على مدار فترة قاربت 60 سنة، تحت ضغط الدكتاتوريات في ظل الهيمنة الغربية وبمساعدتها، واعتبر أن شرارة الانطلاقة كانت مع حماس في قطاع غزة، بانتصار المقاومة على أقوى جيش في المنطقة، وتلاه الاحتقان في تونس ثم الوضع في ليبيا، الذي دفع عشاق الحرية للمضي نحو إسقاط نظام العقيد معمر القذافي.
واعترف حريشة أن نظام القذافي لم تسقط منه سوى الدائرة الأولى من أتباعه في ظل بقاء الدائرة الثانية والثالثة والرابعة، وهي دوائر قال “تمثل ليبيين لا يمكن ظلمهم، رغم أنهم يعطلون الثورة الآن في مرحلة الفوضى، وستأتي مرحلة معاقبة أعوان النظام أمام شاشات التلفاز”. وعن انقلاب نظام العسكر وما يسمى بفلول مبارك على الثورة بمصر، قال حريشة أنه في الحقيقة وقع انقلاب على الثورة في مصر، وأضاف “ولكنه عسى أن يكون كيد أصحاب الثورة المضادة، دافعا لجعل الشعب يصوت لصالح محمد مرسي”، كما أوضح أن نظام بن علي في تونس متجذر ويصعب تغيير المؤسسات في سنة أو سنتين، معتبرا أنه “ في النهاية تكون سدة الحكم لمن يخافون الله وبرغبة الشعب، وليس أن يفرض ذلك بالنار والحديد مثلما قامت به الأنظمة السابقة”.
وعن تخلف التيار الإسلامي في الجزائر من تقدم الصدارة في التشريعيات الأخيرة، قال قيادي حزب العدل والبناء الليبي أن “انشقاقات كثيرة حصلت في الحركة الإسلامية بالجزائر وتنازع الإخوة وفشلوا بسبب ما رافق ذلك الخلاف، وعليه يجب إبعاد الشخصنة والعمل لله من أجل بناء دولة إسلامية قوية، والأمور ليست بالهينة وتحتاج إلى جهد وغلبة النفس مع لم الشمل”. وعن وضعية التنافس السياسي بين 120 حزب نشأ بمجرد سقوط نظام القذافي – الذي يكفّر التحزب ويعتبره إجهاضا للديمقراطية – تحضيرا لانتخابات المجلس التأسيس في 7 جويلية المقبل، قال حريشة أن حزبهم بفكرة الإخوان ونابع من الثوار ولكنه لجميع الليبيين، وأنهم كانوا يتوقعون 500 شخص لحضور المؤتمر التأسيسي ليفاجؤوا- بحسبه – بحضور 1550 عضو ووصل المؤسسون لقرابة 5 آلاف عضو، إلى غاية إشهار الحزب، معترفا بتنافس شديد بينهم وبين تحالف القوى الوطنية (يضم 30 حزبا) بقيادة محمود جبريل، وأفاد المتحدث أن قضية السلاح لا تزال عالقة ويصعب جمع قطع السلاح في فترة قصيرة، معتبرا أن قضية وجود مئات النساء الحوامل من الثوار بأنها إشاعات، وأنه لا يوجد أمر ممنهج باستثناء حالات منفردة.
سامي أبو زهري القيادي في حركة حماس الفلسطينية:
المستفيد الأول من الثورات العربية هو الشعب الفلسطيني
يعتقد الناطق باسم حركة حماس الفلسطينية، سامي أو زهري، أن المستفيد الأول من الحراك العربي وما أفضى عنه من ثورات، هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وأفاد “ندرك أن الشعوب العربية الآن منشغلة بأولوياتها الداخلية وقضايا الإصلاح الداخلي، وحينما تفرغ وجهتها الحقيقية ستكون فلسطين، وندرك أن أعداء الأمة لن يتركوا الثورات وبأنهم سيخلقون العراقيل تلو العراقيل”.
وأوضح “لكننا واثقون أن الشعوب استعادت زمام المبادرة وأصبحت قادرة على أن تقول لا”.
وعن مدى وصول الإسلاميين وتوليهم الحكم، قال أبو زهري “الأهم استعادة الأمة إرادتها وما دون ذلك فهو تفاصيل، وفي هذه النفاصيل وصول الإسلاميين إلى الحكم، والقصة ليست إسلاميين أو غير الإسلاميين، والمهم هو أن الشعوب استعادت إرادتها وتختار من تراه ملائما بطريقة حرة بغض النظر عمن سيصل”.




