-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أهمّ درس من حرب أوكرانيا

أهمّ درس من حرب أوكرانيا

بَيَّنَتْ الحرب الجارية اليوم في أوكرانيا، والموقف الغربي منها بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أهمية إعادة طرح سؤال الوَحدة بين الشعوب والحكومات في العالم الإسلامي قاطبة. كما بَيَّنَت أهمية إعادة طرح فكرة التضامن الإفريقي الآسيوي ومع أمريكا اللاتينية. لقد بات اليوم واضحا أن مفهوم العالم عند الغرب هو مجموعة الدول الديمقراطية الليبرالية، وما بقي هو خارج العالم، أو خارج الحضارة، أو خارج الدول المُتمَدْيِنَة. كل الشعوب والحكومات الأخرى لا قيمة لها ولا ذِكر لها إذا لم تكن جزءا من منظومة التفكير الغربي ومع الطرح السياسي الغربي. عندما يقول الرئيس الأمريكي أو أي زعيم غربي آخر إن “روسيا باتت معزولة عن العالم”، فإنه يَقصد أنها باتت معزولة عن العالم الغربي، أما بقية العالم فلا قيمة له وإن كان تعداد سكانه بالملايير.

هذا الواقع ينبغي أن يَطرح أمامنا وبجدية اليوم مسألة: أين نحن من مسألة الوَحدة كشعوب وكحكومات، بل أين فكرة الوحدة في حد ذاتها؟ ولماذا غابت اليوم من بدائلنا؟ وكيف تم ذلك؟ وما الذي يمنعنا من إعادة طرحها من جديد واحيائها فيما بقي قائما من هيئات رسمية وغير رسمية أو إنشاء هيئات جديدة تقوم مقام تلك التي تم إنشاؤها في القرن العشرين؟…

بكل تأكيد لقد تم إفراغ تلك الهيئات (المؤتمر الإسلامي، الجامعة العربية، حركة عدم الانحياز، الاتحاد المغاربي، مجلس التعاون الخليجي، الاتحاد الإفريقي… الخ) من محتواها وتم تقسيمها بطريقة أو بأخرى، أو تم قتلها في المهد حتى لا تتحول إلى أدوات عمل وَحدوي فعّال مثل الاتحاد الأوروبي أو الحلف الأطلسي. ولعلنا جميعا نُدرك اليوم دور الغرب ذاته في تفكيكها وفي مَنعها من أن تتحول إلى  آليات توحيد حقيقية. نعرف جميعا ما الذي حدث لكافة هذه الاتحادات المحلية والإقليمية والقارية، ونعرف ما هي أدوات الاستعمار الجديد في تفكيكها من خلال تشجيع الانقسامات المختلفة على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية أو سياسية، وعلينا أنْ نتذكر أنَّ ما يقوم به اليوم ليس دون ما كان يقوم به في القرنين التاسع عشر والعشرين من حيث الشدة تجاه تقسيم هذه الشعوب التي يُسميها “بقية العالم”. الفرق الوحيد بين الفترتين أن قادة الفكر والدعوة وساسة القرنين الماضيين كانوا يواجهون بِقِلة الإمكانات التي لديهم مثل هذه المشاريع ويسعون مشرقا ومغربا إلى توحيد صفوف الشعوب الإسلامية والعربية والإفريقية والآسيوية ونجحوا في وضع اللبنات الأولى لذلك، أما نحن ففشلنا في الحفاظ عليها.

ما الذي يمنعنا اليوم من إعادة إحياء أساليب أسلافنا في رصِّ الصفوف والدعوة إلى الوَحدة، ونحن نرى كيف تحرَّك الغرب الليبرالي اليوم كالجسد الواحد عندما أحسَّ بالخطر، وكيف نَسِي خلافاته البَيْنية، وكيف باتت مصالحه غير مُتضاربة. كم من الخطر داهمنا ويداهمنا ولم نتمكن من بعث مثل هذه الانطلاقة الوَحدوية؟ أين هي ليبيا اليوم مغربا وأين هي سوريا والعراق واليمن والخليج مشرقا؟ أين هي إفريقيا المُشَتَّتَة وآسيا المبعثرة؟

يبدو بالفعل أنّ علينا كشعوب، تجد نفسها اليوم في حيرة من أن تقف مع روسيا أو أمريكا أو الصين، أن ننتبه إلى أن الوقت مناسبٌ للتفكير في آليات جديدة تجعلنا نعيد الاعتبار لأنفسنا، نَنبُذ الخلافات التي بيننا ونستبق مشكلات التمركُز الدولي القادمة لِما بعد الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا.

إنها بلا شك حربٌ مأساوية لا نريدها لأيِّ شعب من شعوب العالم، ولكنها في كل الحالات أعطتنا درسا ينبغي استخلاصه إذا ما بقيت فينا بقية حياة وما زالت لدينا بقايا أمل في أن نستعيد ذات يوم وَحدتنا وقوّتنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!