أين النخب الجزائرية التي تقود الدولة؟
من المعروف أن النخب المؤطرة والمنظمة والعالمة، في الدول المتطورة، هي التي “تفكر وتخطط ” للمشاريع الكبرى في المجالات المشكلة لعصب التنمية بكل أنواعها وفروعها، أما السياسيون فيها فهم مجرد مسهَلين ومنفذين للمهام المدنية الحاسمة، لاشك أن التخلف البنيوي عندنا يعود إلى أن السياسيين قد حلوا محل النخب وهذا السلوك جزء من ثقافة التخلف ذاتها.
يرتبط مصطلح “النخب” بالمجموعات البشرية التي تفكر للمجتمع وتضع الخطط للمشاريع الكبرى التي تقرر مصير الدولة ومؤسساتها، إذا كان مفهوم النخب هكذا فإن من يدرس أوضاع بلداننا منها الجزائر يكتشف بأن تخلفها يعود من جهة إلى عدم القطع مع مخلفات التراث الاستعماري، وإلى عدم وجود تصورات للتنمية الأكثر عصرية وحداثة في ميادين الاقتصاد والتعليم والإدارة والتقنية والمعمار وتخطيط القرى والمدن، والعلم وغيرها من المجالات الحيوية بعد الاستقلال.
وفي الواقع فإن تكوين النخب المفكرة والمخططة أمر معقد، خاصة وأن فترة الاستقلال تميزت بالارتجال، ولأن الدولة تفتقد إلى النموذج العصري. من الناحية النظرية فإن مهمة تكوين وتربية النخب المفكرة، في شتى الميادين الحيوية، هي مهمة المنظومة التعليمية والتربوية بكل مراحلها وأنواعها، ففي البلدان التي أنجزت الدولة العصرية والحديثة معا نجد الجامعة والمعاهد العليا هي التي “تفكر” للسياسيين ولمؤسسات الدولة التنفيذية، إن بلدان أوروبا وأمريكا،وبعض دول آسيا مثل اليابان تركز تركيزا شديدا على “الانتقائية”، حيث تقوم باختيار المواهب، والكفاءات الذكية وتوجهها توجيها خاصا ومتخصصا.
ففي هذه البلدان تسند أمور التفكير في قضايا التنمية المادية والثقافية والجمالية لهذه العناصر المنتقاة والموجهة إلى الجامعات والمدارس العليا التي تعد معاقل صناعة “الإنتلجنسيا” التي تتكفل بقيادة التنمية في البلاد. وهكذا نجد مثلا جامعة كامبردج، وأكسفورد، ومدرسة لندن للاقتصاد، ونجد هارفارد، وييل، والمدارس العليا والسوربون، والكوليج دوفرانس على التوالي في بريطانيا، وأمريكا، وفرنسا تقوم بمهمة صنع الوعي الجديد وتسخيره لخدمة المجتمع، كما نجد نفس هذه الاهتمامات والممارسات في ألمانيا، والسويد، والنرويج، وكندا وإيطاليا وغيرها من الأمم.
وهنا نتساءل: هل تعميم التعليم في بلداننا هو المسؤول على عدم تشكل “النخب” العالمة في كل حقول المعرفة النظرية والعملية أم أن السبب يعود إلى الموقف السياسي السلبي من هذه النخب؟ مما لا شك فيه أن ظروف الاستقلالات الوطنية قد أفرزت الكثير من المشكلات الكبرى منها عدم تطوير المنظومة التعليمية وتحديثها، وعدم ضمان المستوى اللغوي والعلمي والفكري العالي فيها، فالشعوب الخارجة من الاستعمار والغارقة في الأمية المتعددة الأشكال تطمح أول ما تطمح أن تتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وهكذا فإن سياسات التعليم في بلداننا قد ركزت لسنوات طويلة على توفير مقاعد الدراسة للمواطنين والمواطنات بدون تميز، وتغليب كفة الكم على الكيف في كثير من الأحيان.
ولقد لعب هذا الخيار دورين أولهما يتمثل في تحقيق نسبة معقولة من المتعلمين، وهم غالبا من أبناء الشرائح الفقيرة مثل شريحة الفلاحين وشريحة العمال، وثانيهما تتمثل في تحقيق نسبة ضئيلة من النوعية التي هي الركيزة الأساسية لصنع ولتكوين النخب، عندما نتكلم عن النخب فإن المقصود هو وجودها الحقيقي والفاعل في مجال الصحة، والسياسة، والمعمار، والعلوم، والفلسفة، والآداب، والقانون، وإدارة الأزمات الطارئة، والاقتصاد وهلم جرّا، ففي بلداننا والجزائر واحدة منها لا توجد “لجان التفكير” التابعة للمجتمع المدني، أو تلك التابعة للحكومة، وللأحزاب السياسية الرسمية، كما لا يوجد تنسيق جدي ومبرمج بين الجامعات والمعاهد العليا وبين مؤسسات الإنتاج بمختلف فروعها وأنواعها أو بين الأولى وبين الوزارات والمديريات المسؤولة مباشرة على مشاريع التنمية.
ما دامت بلداننا تفتقد إلى تقاليد صنع وتشكيل النخب فإنه من الضروري النظر في بعض التجارب العالمية التي نجحت في هذه المهمة الكبيرة. إن دراسة تجارب أوروبا وأمريكا، و كذلك تجارب بعض الدول الأسيوية يمكن أن تساعدنا على وضع تصورات لكيفية “صنع النخب”، من المؤكد أن التعلم من التجارب العصرية ليس بذخا معرفيا وإنما هو ضرورة حياة، من المعروف أن التجارب ونتائجها لا تقلد حرفيا ولا تستورد مثل قطاع الغيار، فالذي ينبغي عمله يتمثل في استيعاب الروح الفكرية، والأخلاقية والتقنية والعلمية باعتبارها ركيزة لها وسببا في فاعليتها.
فالصين قد استطاعت أن تعمل بسياسات الاعتماد على النفس على ضوء مخططات وطنية مدروسة في الصناعة، والزراعة، والتنظيم الاجتماعي، والتعليم، والثقافة، والتكنولوجيا ولكن هذا الاعتماد على النفس لم يمنعها من تنفيذ برنامج إرسال 1000 طالب سنويا إلى الاتحاد السوفييتي سابقا على مدى سنوات للتكوين هنا، وبالفعل فقد أصبحت هذه الإرساليات الطلابية نواة لإنشاء وفرز النخب وقاعدة للتنمية الناجحة.
ففي المقارنة التي أجراها الكاتب الروائي الإيطالي الشهير ألبرتو مورافيا في كتابه عن “ثورة ماو الثقافية” بين الصين بشكل خاص، وبين آسيا بشكل عام من جهة، وبين أوروبا من جهة أخرى فقد استخلص أن “الأدب هو الذي سيكشف بشكل رئيسي عن الفرق بين ثقافتنا وبين الثقافة الصينية”، إن هذا البُعد الثقافي في التجربة الصينية المتزامن مع الانفتاح على التجارب الأجنبية المتطورة هما الطاقة الحيوية وراء خروج الصين من فلك العالم الثالث المتخلف إلى رحاب التحديث العلمي والجمالي والعصرنة.
على ضوء ما تقدم، فإن تكوين الإنتلجنسيا المفكرة والمخططة في بلادنا ينبغي أن ينطلق من الركيزة الثقافية، والروحية، والأخلاقية، والفكرية التي تتميز بها الهوية الوطنية، ومن خصوصية المشروع الوطني الذي ينبغي التفكير فيه وصياغة معالمه ومن ثم العمل على تجسيده، إن ربح هذا الرهان مشروط بخلق الوازع الوطني الجديد والفاعل في صفوف الشباب والشابات من أجل تحدي التخلف بكل أشكاله وتجلياته، وهو مشروط حتما أيضا بنشر فلسفة جديدة عمادها رقي وجماليات التعليم ومضامينه المتقدمة على المستوى الوطني، وتحقيق مجتمعات المعرفة، ومحو الأمية الحرفية ومختلف أشكال الأمية المختلفة مثل الأمية التقنية والاقتصادية، والزراعية، والفلاحية، والمهنية، والأدبية، والفلسفية والقانونية والسياسية.
إن هذا النشر للمعرفة ينبغي أن يكون مصحوبا بتثقيف المواطنات والمواطنين، وتعليمهم “كيف” يخططون لحياتهم الأسرية والوظيفية، والاقتصادية وهلم جرّاً، إن تدريس “مادة التخطيط” ضرورة أولية لإخراج مجتمعاتنا من الركون إلى الارتجال، والتلقائية الساذجة، ومن الفوضوية على جميع المستويات وينبغي دعم هذا عمليا بإنشاء فرق التفكير، في كل المجالات الحيوية على مستوى البلديات، والدوائر والولايات (المحافظات، بما في ذلك تأسيس مراكز البحث، في المعاهد، والجامعات، ومؤسسات التكوين المهني، والجمعيات التابعة للمجتمع المدني وعلى مستوى الأحزاب السياسية، والوزارات كل حسب الاختصاص، والغايات المسطرة في برامجها.