أيُّ مستقبلٍ للعرب في الصِّراع الحضاري؟
..سؤال كبير بحجم العرب وتاريخهم ومكوّنهم الثقافي وخصوصياتهم.. سؤال بحجم الحروب المفتَعلة والحقيقية الملقاة في ساحتهم، وبحجم ما يمثِّلون في ضمير الرسالة الإسلامية وما تميزوا به في مرحلة خاصة من عمر الرسالة.. إنه سؤالٌ قديم هذا صحيح، وصحيح كذلك أنه ليس مستبعدا أن يكون قد تناوله مفكرون ومثقفون كثر بالتحليل والطرح والإجابات، ولكنه يظل سؤالا مشروعا مادمنا في أتون المعركة متعددة الجبهات..
هنا في هذا الحيّز المتاح أريد التذكير بعدة معطيات للموضوع ومحاولة ترتيبها لكي تتضح أمامنا المسألة ولا نقع في فخ فكري يزيحنا عن المبتغى ويقودنا إلى انحرافات تعمّق التمزّق وتبدّد الجهود.. فنبدأ بما عليه إجماع النظر والمعرفة.
1- إن العرب كتلة بشرية من الكتل المعدودة على المستوى البشري، وقد زاد تعدادهم عن 300 مليون نسمة يمتدّون من الموصل إلى المحيط الأطلسي تجمعهم لغة عربية بكل أسرارها وإعجازها وجمالها وما تحمله من ثقافة على رأسها الإسلام، وتجمعهم عادات وتقاليد متدانية متداخلة على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجماعي.. وهم يعيشون في رقعةٍ جغرافية متواصلة بلا انقطاع وهي رقعة متوسّطة بين شمال له مناخه وجنوب له طقسه وطقوسه.. فأصبحوا بحكم الموقع الجغرافي أمة وسطى.. والحديث عن الكتلة البشرية لا يعني أبدا أنها خالصة عرقيا لأن هذا لا قيمة له أبدا.. إنما الحديث هنا عن التجانس الثقافي وأساسه اللسان والقيم الاجتماعية.
إن العرب مادة الإسلام، فإن لم يكونوا أسياده فهم سدنته، على اعتبار أن في حيزهم مقدسات الإسلام المساجد الثلاثة وبلغتهم تنزَّل القرآن الكريم ومنهم خرج الجيل القرآني الفريد يحمل الرسالة إلى العالمين لينشر الإسلام ويبسط سيادته خلال خمسين عاما بطريقةٍ لم يشهدها التاريخ البشري كما ذهب إلى القول المفكِّر التاريخي توينبي.
3- في أرض العرب تكمن عناصر الطاقة الأساسية وتوفر الجغرافيا المذهلة على كل ما يمكن أن يؤهِّلهم لتزعُّم مشروع عالمي لإنقاذ البشرية، فالإرث الحضاري والثروات وصفاتٌ خاصة للناس تتجمع لتصبح عناصر النهضة الكافية.. ويحتاج الأمر فقط لعملية ترتيب كما أن العرب سريعو الكسر، إلا أنهم سريعو الجبر ولديهم من المجالدة على التحديات ما يكفي لاستئناف حضارتهم.
4- على أرض العرب حدثت المعارك الاستثنائية الكبرى مع التتار والصليبيين والاستعمار الإنجليزي والفرنسي والأمريكي.. وفي أرضهم كانت الملاحم الرمزية بين الأمة وأعدائها التاريخيين..
لم يبن العرب في التاريخ أمة بمعزل عن الدين، ولم يتوحدوا يوما بغيره، ولم يستطع نظام أو حاكم أو قوة نظم شتاتهم وتوحيد طاقاتهم وتفجير ينابيعهم إلا الإسلام.. لهذا فإن الحديث عن أمة عربية بلا إسلام إنما هو حديث عن أوهام يرفضها الواقع التاريخي.
6- لم يبن العرب حضارة بمعزل عن إخوانهم في حمل الرسالة من غير العرب ولم تكن العروبة في تجلياتها إلا اللسان والثقافة ولم تكن عروبة النسب والدم فهي بهذا عروبة حضارية لا التقاء لها بالجاهلية من قريب أو بعيد.. فكانت حضارتهم العربية حضارة إسلامية بمعنى المقاصد الكلية للحضارة، وبمعنى مشاركة كل المسلمين فيها كل حسب عطائه وتميزه.
7- لم تنعزل الحضارة العربية عن علوم الآخرين والسابقين من غير المسلمين، ولم تكتف بالانفتاح عليها، إنما سعت إليها لتبحث عن ينابيعها في التراث القديم لتترجمه وتنقله وتناقشه، فتكون بذلك حضارة إنسانية لم تتكرر من قبل ولا من بعد، حيث كان الجهد الإنساني والحكمة الإنسانية هدفاً في حدِّ ذاته.
وفي مواجهة ذلك، لا بد من ملاحظة مسألة في غاية الخطورة والأهمية.. وهي أن الغرب الاستعماري من خلال جيوش المستشرقين وصناع القرار أدركوا قيمة العرب في الحضارة الإسلامية والمستقبل الإسلامي فتوجهوا بكل ما أوتوا من قوة فكرية ومادية وإعلامية لإسقاط العرب من المنظومة وجعلهم غير ذوي بال، وإلحاق كل التهم بهم، وتشويههم، وتمرير كثير من المفاهيم المغلوطة عنهم، ولم يدخر الغرب الاستعماري جهدا في هذا الباب جنبا إلى جنب مع غزواته المتواصلة على بلدانهم قتلا وتشريدا وإبادة ونهباً للثروات.
وقبل أن أختم الفكرة أريد أن أنبِّه إلى أنها لا تستقي حياتها من الروح القومية ولا التبرير الغرائزي للتجمعات البشرية، إنما تستمدّ حياتها من توجيهات القرآن الكريم وسُنّة التنزيل وحركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفهم سنن الحضارات والبناء الحضاري وكل الأحزاب القومية والنبرات القومية في عرف هذه الفكرة إنما هي من فعل الشيطان الذي يريد صناعة حاجز بين الناس فيما نحن نريد الارتقاء بالجميع وتفعيل كل مكونات الأمة للارتقاء إلى التجانس الإنساني.
أي مستقبل للعرب؟
إن أيّ محاولة للنهوض في الأمة لا يكون العربُ جوهرها وقطب الرحى فيها سيكون محكوماً عليها أن تظل جزئية موضعية لن يُكتب لها التقدّم على المستوى الإنساني.. وهنا لابدّ من التدبّر الحكيم لمكونات الأمة وآية القرآن العظيمة شعوبا وقبائل لتعارفوا.. لتعارفوا وما فيها من دلالات ليس فقط التعرّف بل التعارف؛ عملية تبادلية لكي نضع كل شيء في إطاره ثم يكون الإكرم على الصعيد الشخصي هو الأتقى بمعنى الأكثر خوفا على وحدة الأمة والأكثر حرصا على نهضتها وتقدُّمها وخيرها.
إن للعرب إسهاماً جوهرياً في النهضة الإسلامية لا يتجاوزه إلا جاهل بطبيعة تركيب الأمة وتركيب حضارتها، فهنا الرد يكون بالقوّة نفسها على القوميين العنصريين وعلى الشعوبيين الجاهلين..
وهذا الكلام يوزِّع المسؤوليات على أجزاء الأمة، مسؤوليات متكاملة.. وهنا يطرح سؤال: هل ينتظر سوى العرب ولا يقومون بنهضة حتى ينهض العرب؟ هذا كلام أعوج لأنه يكشف مدى التفكير الأحادي والنظرة الاستعلائية التي ستنتهي بأصحابها إلى محاصرة أنفسهم، وهي نظرة مشوهة لأنها تأخذ بالجملة وضع العرب وترهنه بالواقع المضطرب.. وكأن هناك أحداً من المسلمين سوى العرب قد حقق الإعجاز الحضاري وغايات الرسالة.. إن قوامة الإسلام تستقيم بمنظومة قيمٍ وبلسان عربي مبين، وهذا يجد محضنه الأساسي الكبير في بيئة عربية، لكن هذا لا يعني بحالٍ من الأحوال الركون للنماذج الممجوجة من الأوضاع السياسية والثقافية التي تستبدّ في حياة العرب من تيارات عنصرية أو جهوية أو طائفية… فكل ذلك أمراض ترافق الجسد، تختبئ ولا تظهر إلا في لحظات وهن الجسد أو تعرُّضه لضربات كثيرة مرهقة، فتبرز تلك الأمراض ولكنها تعود للاختباء عندما يستجمع الجسد قوّته وعزيمته وينهض من جديد.
إن للعرب إسهاماً جوهرياً في النهضة الإسلامية لا يتجاوزه إلا جاهل بطبيعة تركيب الأمة وتركيب حضارتها، فهنا الرد يكون بالقوّة نفسها على القوميين العنصريين وعلى الشعوبيين الجاهلين..
كما أن على طلائع العرب من نخب ومفكرين وساسة وعلماء دين أن يرفعوا من سقف خطابهم، وأن يرتفعوا عن الثانويات ويشيروا بأفكارهم إلى مقاصد الرسالة، وأن يتقدموا لإحداث النهضة الفكرية والثقافية لإنارة الدرب أمام شباب العرب لكي يقوموا بواجبهم المزدوج نحو أنفسهم ونحو أمتهم فيستأنفوا بذلك مجد أجدادهم من حملة الإسلام وحضارته.