“إبستاين” وصفر دين: حين تكشف الفضيحة أزمة حضارة!
ركزت الكثير من وسائل الإعلام وبخاصة منصات التواصل الاجتماعي في فضيحة “إبستاين” على الجوانب غير الأخلاقية والخليعة والمتجاوزة حدود السلوك البشري السّوي… وهي حقائق لا شك في ذلك، غير أن أغلب التحاليل اكتفت بوصف الأحداث من دون البحث في عمق هذه الظاهرة وأبعادها المختلفة. أشرنا في هذه المساحة (انظر: ما تُخفيه وثائق إبستاين أكبر) المنشور سابقا، إلى ذلك البعد المتعلق بـ”مَن يُدير العالم وكيف”، “الجزر” و”النوادي” والأماكن الخاصة… ولعل الإشارة اليوم إلى جانب آخر من هذه الفضيحة يمكن أن يُسلّط الضوء أكثر على أبعادها. يتعلق هذا الجانب بعلاقة ما يحدث في جزيرة “إبستاين” بِتخلي الغرب عن القيم المسيحية وبالمرض الداخلي للديمقراطية الليبرالية التي اعتبرها البعض الخيار الأخير للبشرية (نهاية التاريخ بالنسبة لفوكو ياما)، وبأزمة الحضارة الغربية ذاتها.
كان الكاتب والأنثروبولوجي “إيمانويل تود” قد تطرق في كتابه الصادر سنة 2024 تحت عنوان هزيمة الغرب La défaite de l’occident إلى الجانب المظلم في الديمقراطيات الغربية، سياسيا وأخلاقيا وعلميا، ومن بين ما أشار إليه تحت عنوان: الدين: الحالات الفاعلة، الزومبية، والصفرية Religion: états actif, zombie et zéro(ص123)، أن مصير الغرب سيكون بالضرورة الهزيمة انطلاقا من هذه النقطة بالذات. يقول في ذات الصفحة ما يلي: “كيف يمكن توصيف الحالة الصفرية لدينٍ ما؟ إن القيم التي كان هذا الدين ينظم بها الحياة الاجتماعية، والأخلاق، والعمل الجماعي، لم تعد ذات شأن. والحيز الاجتماعي والأخلاقي الذي كان يشغله سابقًا يضمن لنا أن الحالة الصفرية تؤثر في مجالات لا تُحصى: ليس فقط في العمل والأمة، بل أيضًا في السلوكيات العائلية والجنسية، وفي الفن كما في العلاقة بالمال…”. ويعتبر أن الدول الغربية وصلت إلى هذه الحالة الصفرية (صفر دين) تباعا ابتداء من سنة 2001. (بلجيكا 2003، إسبانيا وكندا 2005، السويد والنرويج 2009، الدنمارك 2012، فرنسا 2013، المملكة المتحدة 2014 (في إيرلندا الشمالية عام 2020 فقط)، ألمانيا 2017، فنلندا 2017. أما الولايات المتحدة فوصلت فيها ولاية ماساتشوستس لهذه المرحلة سنة 2004، وعمَّت البلاد سنة 2015… المؤشر الأساس الذي يعتمده “تود” لهذه السنوات هو تقنين الزواج المثلي. ويُعلّل ذلك بالقول إن الغرب كان في المرحلة الفاعلة للمسيحية بمختلف فروعها يتميز بارتفاع حضور قداس يوم الأحد، وفي المرحلة الزومبية ـ مرحلة البقاء الشكلي للدين – اختفت لديه الممارسة الدينية الأسبوعية، لكن طقوس العبور الثلاثة المرتبطة بالولادة والزواج والموت بقيت مؤطَّرة بالإرث المسيحي كاحتفاظ الزواج بالتزاماته وعلاقته بالإنجاب مع بقاء تعميد الأطفال، ورفض حرق الجثث. أما في المرحلة الصفرية فقد اختفى فيها التعميد وعَرَف الترميد (حرق الجثث) انتشارا واسعا ثم انتهى الزواج وهي المرحلة التي يعيشها الغرب اليوم كما يقول الكاتب. ويُلخِّص هذا الجزء بقوله: “هكذا يمكن تعريف سنوات الألفية الثالثة بوصفها سنوات الاختفاء الفعلي للمسيحية في الغرب، بطريقة دقيقة ومطلقة. كما نلاحظ تقاربًا بين الكاثوليك والبروتستانت في هذا «العدم». أما أوروبا الشرقية فليست معنية بذلك، وإيطاليا – بحكم وجود الفاتيكان – لا تزال تقتصر على نظام الاتحاد المدني”…
وهي الخلاصة التي نريد من خلالها الوصول إلى القول: أن فضيحة “إبستاين” ينبغي أن تُفهم في نطاق مسألتين جوهريتين: الأولى هي مجتمع صفر دين في الغرب، والثانية هي عجز قيم الديمقراطية الليبرالية على حماية المجتمعات الغربية من مثل هذه النهايات العدمية، (ولعلنا سنعود إلى هذا الجزء الثاني من المعادلة الهام في مقالات أخرى)…
وعليه فإنه إذا كانت لدينا من محاولة لاستخلاص العبرة من فضائح “إبستاين”، فلن تخرج عن تأكيدنا على أهمية النظر إليها ضمن النطاق الكلي الذي يمر به الغرب، باعتبارها “إشارة حاملة للمستقبل” ونقدها من جميع الزوايا من دون الوقوع في خطأ التحيل بالعامل الواحد، (الدين)، وذلك لمعرفة أي مصير ينتظر العالم (استشراف)، وما الذي علينا أن نقوم بها في حالة سيطرة هذه المنظومات المريضة (استشراف استراتيجي)… وكيف نستفيد من مخزوننا القيمي والفكري والحضاري؟ وكيف نُكيِّف خياراتنا السياسية مع القادم من التطورات المشابهة؟ أي كيف نحمي أنفسنا؟ كيف نحقق الأمن لمجتمعاتنا؟ وأسئلة كثيرة أخرى ينبغي أن نطرحها… جزيرة “إبستاين” ليست معزولة عن العالم. إن ما خفي أكبر…