إذا أنت أكرمت الكريم…
عندما ساهمت الجزائر بوساطة من الديبلوماسي الراحل، محمد الصديق بن يحيى، في إنقاذ الولايات المتحدة الأمريكية، من ورطة الرهائن، الذين تمّ احتجازهم في طهران عام 1981، تلقّت هدية خاصة من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، تمثلت في مسلسل “دالاس” التلفزيوني، الذي يُصدّر الفكر الأمريكي وحياة البرجوازية.
وعندما منحت في سبعينات القرن الماضي، كل مشاريعها الثقافية والرياضة للدول الاشتراكية، كانت تتهاطل عليها هدايا في شكل “مجلة أنباء موسكو وكتب البلشفية وسيرة ماركس وخروتشوف”، وعندما ولّت وجه مشاريعها بالكامل شطر برج إيفيل، ظلّت فرنسا تؤمن بأنها هي من تمنّ على الجزائر بخبرتها، وهي الأحق بالهدية، بل حتى استعمارها للجزائر اعتبرته نقلا للحضارة. وها هي الجزائر بعد “خراب مالطا”، تقتنع بأن التكنولوجيا ليست قدرا مكتوبا، باسم دول دون أخرى، وتُقدِم على التجربة الصينية والهندية والتركية والاندونيسية، فعرفت بأن إكرام الكريم هو امتلاك له، وإكرام اللئيم هو التمرّد بعينه.
منذ عشرين سنة أرسلت “لوفيغارو” الفرنسية، فريقا إعلاميا كاملا إلى الجزائر، صال وجال بين مدنها، وما لفت انتباهه هو أن كل مسارح الفن في الجزائر، من عنابة إلى وهران، من إنجاز الحقبة الفرنسية. كان التحقيق الكبير الذي خطّته أقلام الصحافيين، يروي كيف عجزت الجزائر ماديا وفكريا وهندسيا عن إنجاز مسرح واحد، وخلُص التحقيق في “ما بين سطوره”، إلى أن فرنسا نقلت إلى الجزائر الثقافة، والجزائريون رفضوها؟
والآن بعد أربعة وخمسين سنة من الاستقلال تقدّم الصين، للجزائر، هدية راقية، جزاء المشاريع التي تحصلت عليها في صورة دار أوبرا الجزائر، التي اختير لها اسم لعملاق جزائري، هو الراحل بوعلام بسايح أحد رفقاء مالك بن نبي، ولن نظلم مسؤولينا، لو قلنا، بأنه لولا الصين، ما كان، وما يكون لنا دار أوبرا، مثل كل شعوب العالم.
المثل الصيني الشهير ينصح بتعليم الناس الصيد أحسن من منحهم السمكة، ودار الأوبرا التي دشنها رئيس الجمهورية، ليست سمكة طازجة، لأن الدار لا معنى لها من دون “أوبرا”، والصنارة الآن في يد الجزائريين من أجل تكوين طبقة مثقفة لا تجعل هذه الدار، مثل قاعة الزينيت بقسنطينة التي لا تُشد إليها الرحال إلا عندما يغني “خلاص وخالد والزهوانية”.
المواسم العجاف التي تنتظر الجزائر، بعد انهيار أسعار النفط، تفرض عليها تغيير سياساتها تجاه الآخرين، فعلى قلة المال، تكثر الخيارات، والعالم الاقتصادي والسياسي لم يعد كتلتين كما كان في زمن الحرب الباردة، بل ظهرت الكثير من القوى، ومن واجب الجزائر أن لا تغدق “كرمها” على كتل مثل أوربا وأمريكا، لا تنظر إليها، إلا كما ينظر الحلاب إلى بقرته، فقد قالها أبو الطيب المتنبي قبل زمن طويل:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم _ ومن لك بالحُرّ الذي يحفظ اليدا
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته _ وإن أنت أكرمت اللئيم تمردّا