إذا نسينا غزة… فلنذكر أطفالها!
يبدو أننا آمَنَّا بالفعل أن الإبادة في غزة قد توقفت مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار المزعوم بشرم الشيخ! والواقع خلاف ذلك، لقد كان وقفا لإطلاق النار من طرف واحد. المقاومة لم تعد تستهدف الكيان وعساكره ولكن جيش الاحتلال مازال يقتل كل يوم. لم يتوقف لحظة عن القتل بحجة استهداف قيادات المقاومة وهو في الواقع يستهدف الجميع بمن في ذلك الأطفال! وليس فقط في غزة بل وفي الضفة الغربية أيضا من خلال مستوطنيه وعساكره لتهجير ما بقي من الفلسطينيين صامدا على أرضه!
كُنَّا نسمع عن إبادات جماعية لِشعوب أصلية من قِبل مُحتلين أجانب كما حدث بالنسبة إلى الهنود الحمر في أمريكا أو الأبوريجان في أستراليا حيث قُضي عليهم تماما، ولعلنا اعتقدنا أن مثل هذا الزمن قد ولّى، ذلك أن هناك قانونا دوليا وحضارة تؤمن بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها اليوم، وإذا بِنا نرى على مقربة مِنَّا إخوانا لنا يتجهون نحو نفس المصير ونحن نتفرج!
قوى غربية مناهضة للصهيونية تتحرك عالميا اليوم وتضغط على حكوماتها باتجاه معاقبة الكيان الصهيوني المجرم على ما يقوم به من إبادة جماعية، ونحن للأسف الكثير منا يتفرج! بل نكاد ننسى أن هناك إبادة جماعية صامتة بعد تلك التي تمت بأفتك الأسلحة التدميرية على حد تعبير الصحفي الفلسطيني رامي أبو جاموس!
لذلك، أصبح من واجبنا اليوم أن نذكر أن هناك أكثر من مليونين في فلسطين يعيشون اليوم الظلم بأبشع صوره، محرومين من أدنى متطلبات الحياة، يُدفَعون دفعا نحو هجرة وطنهم لِيستفرد به الاحتلال ويُحقِّق مزاعمه في إقامة “إسرائيل الكبرى”!
تفيد تقارير محايدة منذ أشهر بأن برنامج الغذاء العالمي لم يعد قادرا على توفير الغذاء لأكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني من بينهم أطفال، وأن مساعدات المطبخ العالمي المركزي انخفضت إلى النصف منذ شهر جويلية الماضي، وشحت التحويلات النقدية التي كانت تصل للقطاع من الخارج إِنْ كانت من الجالية الفلسطينية المهاجرة أو من متبرعين من مختلف أنحاء العالم، بعد أن أَحْكم الاحتلال قبضته على هذه التحويلات أو مَنَعها تماما أو زيَّف الحقائق عبر إعلام مخادع يُروِّج لِلَقطات اصطنعها لهذا الغرض بالذات أن بغزة توجد حتى الكماليات! وحدِّث ولا حرج عن ظروف الإيواء التي ما فتئت تتأزم يوما بعد يوم، وحالة المرضى التي تتدهور باستمرار نتيجة نقص الدواء أو انعدامه تماما وخروج مرافق الخدمات الصحية عن الخدمة… وفوق ذلك، مازال الفلسطينيون يَدفِنون شهداءهم كل يوم، يُخرجونهم رفاةً من تحت الأنقاض، أو يجمعون أشلاءهم نتيجة القصف المستمر بالصواريخ والطائرات المسيرة.
ويُتوقَع أن يكون الشتاء القادم أسوأ مما سبق دون منشآت صرف صحي ولا شبكات مياه أو كهرباء داخل خيم مُهترئة أو بقايا بيوت مُهدَّدة بالسقوط في أي لحظة مما يجعل الملاحظ يتأكد من وهم مجلس “السلام” العالمي، ووهم استعادة الحق الفلسطيني المشروع من غير مقاومة، ووهم تحقيق حل الدولتين من خلال المفاوضات أو الشرعية الدولية، وبذلك تتعزز مصداقية طوفان الأقصى ومصداقية المقاومة، أما مصداقيتنا نحن فتبقى على المحك يحكُمها موقفنا من الذي يحدث، ويشهد عليها أطفال غزة قبل أي طرف آخر!