إصلاح المدرسة يبدأ من هنا (الجزء الأول)
تعدّ أزمات قطاع التربية إفرازا موضوعيا لتعقد خدمات التربية والتعليم معرفيا ومنهجيا، والكثير منها يعود إلى إخلالات التسيير الإداري والبيداغوجي، وقديما قيل التعليم فنّ وعلم. والحقيقة، هذا يعني عدم استقرار القطاع الذي زادت حالته سوءا بسبب تهميش الكفاءات لاعتبارات لا علاقة لها بطبيعة المرحلة ومستلزمات التسيير الحديث، القائم على التسيير المؤسساتي، ضف إلى ذلك ظاهرة الإضرابات والتي لها أسباب ذاتية وأخرى موضوعية وهي كذلك من نتائج ضعف التحكم في قواعد التسيير.
قطاع التربية في الجزائر وربما كغيره من القطاعات يواجه الكثير من التحديات، تحديات يشكل انجازها ضرورة بغيرها لا مكانة مستقبلا لمدرستنا، طبيعة هاته التحديات مرتبطة بآليات التسيير الإداري والبيداغوجي، بعض تصريحات الوزيرة تشير وتؤكّد عليها على الأقل على مستوى الخطاب الشفوي، وهذا في حد ذاته قد يبعث على الإطمئنان، نسمع كثيرا حديث وزيرة التربية عن السيرورة التي يجب أن يخضع لها أي اصلاح، لأن المعالجة بالتجزئة ترتب في الكثير من الحالات إخلالات قد تكون أخطر من النقائص المشخّصة.
وأحسن مثال على ذلك مباشرة إصلاح تربوي دون تأسيس “مبدأ الشرعية”، حيث وضعنا حيّز التنفيذ منذ 2002 مناهج جديدة، بمقاربة جديدة من حيث الغايات والأهداف، دون تغيير القانون الذي يحكم قطاع التربية أو بالأحرى القانون الذي يحدّد هوية قطاع التربية، وقد استمر هذا الوضع المتضاد قرابة 06 سنوات، ونحن اليوم نحاول قراءة المناهج قراءة نقدية لجعلها تنسجم من حيث مضامينها مع القانون التوجيهي للتربية الوطنية، وبتأخر يقدر بـ07 سنوات، وهي وضعية عاشها القطاع قبل ذلك، لعل أهمّ مؤشراتها تأخر إصدار النصوص المنظّمة للحياة المدرسية، بعد الأمر 35 المؤرخ في 16 أفريل 76 بحوالي 14 سنة، حيث أصدرت وزارة التربية الوطنية مجموعة من القرارات الوزارية المنظمة لمختلف جوانب التسيير كمهام الموظفين ومسك الملفات وغير ذلك ابتداء من 1990، واليوم مازلنا ننتظر وبعد صدور القانون التوجيهي للتربية الوطنية والقانون الأساسي، ننتظر القرارات المنظمة لمختلف جوانب التسيير الإداري والبيداغوجي.
ومن الإخلالات أيضا التي رتبتها طريقة المعالجة بالتجزئة لقضايا الإدارة والبيداغوجيا، وضع مناهج جديدة حيّز التنفيذ دون تكوين لهيئة التنفيذ من مفتشين ومديرين وخاصة الأساتذة، وما ترتب عن ذلك من اضطراب التطبيق، وفي كثير من الحالات عدم تطبيق مضامين وتوجيهات هذه المناهج، وهو الوضع الذي تعمل الوزارة على تداركه من خلال إعادة كتابة مناهج التعليم بقصد وضعها حيز التنفيذ بعد الانتهاء من مختلف الإجراءات المرتبطة بذلك من قراءة نقدية وتكوين لهيئة التنفيذ من مشرفين وأساتذة.
تحدّيات القطاع إذن هي تحديات مؤسساتية، من جهة ضرورة العمل على تقنين الممارسات وتحقيق الانسجام والمواءمة بين النصوص المنظمة للحياة المدرسية دون تسرع قد يفقد القاعدة القانونية أهم خصائصها وهي أنها قاعدة عامّة ومجرّدة. ومن جهة ثانية وفي تقديري هذا هو الأهم احترام هذه النصوص تطبيقا، والسهر على متابعة ذلك ميدانيا وبالصرامة المطلوبة ولن يتأتى ذلك الاّ بمصداقية للأسف مازلنا نجري وراء تحقيقها والمعيقات كثيرة منها ما هو مرتبط بالمسؤولين على القطاع ومنها ما هو مرتبط بالشركاء من سلطة مركزية ومحلية وأولياء…
كما أنها أيضا تحديات تربوية، تحتاج منا إلى الكثير من الجهد لإبراز الدّور التربوي للمدرسة بكل مراحلها، وهو دور يشهد حاليا فجوات كثيرة منها ما يخص تطبيق النصوص المتعلقة بهذا الجانب كالمجالس، خاصة مجلس المدرسة الابتدائية بالنسبة للتعليم الابتدائي، ومجالس التربية والتسيير، ومجلس التّأديب… اننا يجب أن نتساءل عن حال النشاطات الثقافية والرياضية والترفيهية بمؤسساتنا بمختلف مراحلها، كيف هي متابعتها، ما هي مضامينها إن وجدت، انه من واجبنا تقييم مدى تفتح المدرسة على المحيط الطبيعي والاجتماعي، دون مبالغة، علينا أن نتساءل عن الحيز الذي تشغله المدرسة ومدى انسجام ذلك مع تاريخها الذي يحق لكل جزائري أن يفتخر به، تاريخ مدرستنا مشرّف، وعلاقتنا كشعب بالمدرسة علاقة كنا نحسد عليها، تساؤلات تتبعها تساؤلات وتستوقفها تساؤلات فهل من مجيب…
… يتبع
* مفتش التربية الوطنية وباحث في علم النفس التربوي