إضراب البريد يدفع مئات العائلات إلى تسول لقمة العيش
تفاقمت معاناة المواطنين البسطاء جراء استمرار إضراب عمال البريد، وأضحت المئات من الأسر تبحث عن مورد مالي لتلبية احتياجاتها اليومية، واضطر العشرات من الموظفين لتسول لقمة عيشهم نظرا لاستحالة سحب مرتباتهم من المراكز البريدية، في انتظار أن تمتد حالة الشلل في الأيام القادمة إلى قطاعات التربية والصحة والعدالة.
وأدخل إضراب عمال البريد المئات من العائلات في أزمة مادية خانقة، تزامنت مع استئناف الدراسة عقب انقضاء العطلة الشتوية، وما تتطلبه من توفير مستلزمات للأطفال المتمدرسين، كون الإضراب صادف مواعيد تسديد رواتب عمال وموظفي قطاعات جد هامة، من بينها التربية والصحة والعدالة، وكذا الجيش والأمن، وعقد طول مدة الحركة الاحتجاجية التي استمرت على مدى أسبوعين تقريبا، وضعية أرباب الأسر الذين يسحبون رواتبهم الشهرية من القباضات البريدية، بعد أن جفت مواردهم المالية وأصبحوا يتسولون قوتهم اليومي، لعلهم يفلحون في توفير ضروريات الحياة.
وبلغ الشعور بالاستياء والغضب أوجه لدى موظفي القطاعات المتضررة من إضراب عمال البريد، ورفضوا أن يستمر المواطن البسيط في تحمل تبعات الإضرابات والحركات الاحتجاجية التي تشهدها قطاعات مختلفة، يصر عمالها على تلبية مطالب رفعوها منذ بضعة سنوات دون أن تجد طريقها إلى الحل، بسبب تعنت الجهات المسؤولة ورفضها فتح باب الحوار مع الجهات التي تمثل فعليا العمال، ويعد إضراب عمال البريد الذي مس المواطن في لقمة عيشه، من أكثر الإضرابات التي عمقت مشاكل المواطن، الذي أنهكه غلاء المعيشة وتفشي البطالة، دون أن تتحرك الوزارة الأولى وتتدخل مباشرة لحل الإشكال وإعطاء لكل ذي حق حقه، من أجل رفع الغبن عن المواطن.
علما أن الإضراب لم يصاحبه في العديد من المراكز البريدية ضمان الحد الأدنى من الخدمة، كما أن القلة القليلة من المكاتب التي وفرت هذه الخدمة لا يمكنها بأي حال من الأحوال تلبية طلبات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين الذين يستعدون هم أيضا لاستلام معاشاتهم، وقد أدى ذلك إلى نشوب اشتباكات ومشادات بين المواطنين وعمال البريد، مما قد يدفع إلى انتقال الصراع القائم بين إدارة بريد الجزائر والمضربين إلى صراع بين المواطنين المتضررين وعمال البريد، الذين أصروا على عدم وقف احتجاجهم إلى غاية تلبية كافة مطالبهم، على رأسها رحيل المدير العام، وهو ما يرفضه وزير البريد موسى بن حمادي جملة وتفصيلا.
ومن المنتظر أن تشهد قطاعات أخرى اضطرابات بعد أن لوح مستخدموها بالإضراب، من بينها قطاع التربية، حيث هدد المجلس الوطني لأساتذة التعليم الثانوي والتقني بالدخول في إضراب بداية من 16 جانفي الجاري، للمطالبة بتسوية ملف طب العمل، وكذا سكنات الجنوب التي وعد بها الوزير السابق بن بوزيد، حيث تعهد بتوفير أزيد من 4 آلاف مسكن لسد العجز من حيث أساتذة اللغات الأجنبية والمواد العلمية وهو ما لم يتحقق إلى اليوم.
وقررت من جانبها نقابة شبه الطبيين العودة إلى الإضراب، بسبب رفض وزارة الصحة الاستجابة للمطالب المتعلقة أساسا بإدماج الممرضين المؤهلين في الصنف 10، وكذا التطبيق الفعلي لنظام المنح والعلاوات.
ويهدد من جانبهم الأطباء الأخصائيون بالدخول في إضراب، احتجاجا على تأخر الإفراج عن القانون الأساسي ومراجعة النظام التعويضي ومعالجة ملف السكن الوظيفي، وتعتزم بدورها نقابة الأطباء الممارسين للصحة العمومية شل المؤسسات الصحية، بسبب تماطل الوزارة في تطبيق بعض مواد القانون الأساسي المتعلقة بالترقية والمناصب العليا ومناصب التدرج، الأمر الذي حرم 4 آلاف طبيب من حق الترقية في الرتب، كما لوح عمال قطاع العدالة بالعودة إلى الإضراب مجددا لكون المطالب التي رفعوها لم تتجسد بعد على أرض الواقع وبقيت مجرد وعود فقط.
ومن شأن تنفيذ هذه الإضرابات أن تعمق معاناة المواطن، الذي أضحى رهينة لدى النقابات وورقة رابحة للضغط على الجهات المسؤولة، والتي لا تتحرك بدورها إلا بعد تلقي إشارات فوقية خشية من أن تتحول الأوضاع المتأزمة إلى انفجار اجتماعي لا يمكن توقع عواقبه.
.
موت إكلينيكي للتجارة وتجار يدقون ناقوس الخطر
”الكريدي” لمواجهة إضراب عمال البريد
تسبّب إضراب عمال البريد في تدهور قطاعي التجارة والخدمات في بعض الولايات، خاصة التي استجاب عدد كبير فيها من عمال البريد لنداء الإضراب، دون ضمانهم الحد الأدنى من الخدمة للمواطن. فعدم تمكن فئة كبيرة من الموظفين من صرف راتب شهر ديسمبر المنصرم، وخوفهم من استمرار الإضراب لأيام أخرى، جعلهم يعزفون عن شراء حاجياتهم، ما سبب ركودا تجاريا في بعض الولايات.
وفي هذا السياق، قال مواطنون بالعاصمة، خاصة المتقاعدون وموظفو عدد من القطاعات أنهم لجؤوا إلى “الكريدي” لشراء حاجياتهم الضرورية، خاصة من محلات المواد الغذائية، فيما أجّل كثيرون قضاء أمور ضرورية وحتى مستعجلة إلى غاية تسلم راتبهم. وهو حال شابة من بلدية عين النعجة موظفة بمؤسسة خاصة بالعاصمة، أخبرتنا أنها كانت تعتزم زيارة طبيب العيون نهاية الشهر المنصرم، بسبب ألام شديدة على مستوى عينيها، لكنها اضطرّت لتأجيل الأمر لعدم تسلم راتبها بعدما قصدت كثيرا من مراكز البريد عبر العاصمة، حتى أنها تقول تنقلت إلى غاية ولاية البليدة علها تتمكن من سحب أموالها، فوجدت الأبواب موصدة.
وبمدينة عين الدفلى لاحظنا نهاية الأسبوع المنصرم بعض المقاهي خالية على عروشها، وفسّر لنا أصحابها الظاهرة أن المتقاعدين الذين كانوا يملؤونها توقفوا عن الحضور منذ بدء الإضراب، وصاروا يمضون جل وقتهم أمام أبواب مراكز البريد علهم يتمكنون من سحب أموالهم، وحتى أصحاب الصيدليات هناك يشكون قلة المتوافدين، خاصة من المرضى المواظبين شهريا على شراء أدوية الأمراض المزمنة، ومثلهم العيادات الطبية، ونقاط بيع قارورات غاز البوتان.
أما أصحاب محلات بيع المواد الغذائية بالولاية، فلم يجدوا من سبيل حسب تصريحهم لنا، إلا “كرّاس الكريدي” الذي امتلأ عن أخره. حيث أخبرنا أحد الباعة، أنه منذ بدء الإضراب امتلأ دفتر القروض، فالمواطن حسبه مجبر على شراء حاجيات ضرورية على غرار الخبز والحليب وحفاظات الأطفال، فيضطر لاقتنائها بالكريدي من المحلات، وتاجر أخر صرح لنا “لا أستطيع رد زبائني وإلا أقفلت محلي”.