إعلامُنا الديني.. هل يستجيب لحاجات الجزائريين؟
يستطيع من يتابع القنوات الفضائية بصفة عامة، والدينية منها بصفة خاصة، أن يلحظ تلك “الظاهرة” الملفتة، وهي كثرة ووفرة الجزائريين والجزائريات المستفسرين والمتدخلين في مختلف القنوات العربية، خاصة الدينية منها، وبقطع النظر عن الاستنتاجات الممكنة، وهي كثيرة ومتعددة، فإن قاعدة الهرم في تلك الاستنتاجات في تقديري هي: شدة احتياج الناس إلى معرفة أمور دينهم، أو فلنقل بلغة أكثر تعبيرا عن الحال تعطشهم الشديد والكبير للمعرفة الدينية.
وبالرغم من وجود صحافة “دينية” وإعلام ديني إلى حدّ ما في الجزائر، فإن السؤال الجدير بالطرح: هل يدخل كل ذلك: أي ما تقدمه القنوات والصحف على حد سواء في صلب التكوين الثقافي الديني الصحيح أم لا؟ وهل هو كاف للاستجابة لهذا الاحتياج الكبير المعبّر عنه بوضوح وصراحة؟. والجواب: لا، إنه لا يستجيب، ولا يحقق الإشباع الديني الإيماني اللازم.
إن الأمر إذا كان مؤشرا واضحا على “جوع ” إلى معرفة دينية في مختلف ميادين الحياة، فهو يدل أيضا على مدى الفراغ الكبير الذي يعاني منه الناس؛ خاصة وأن أسئلتهم في أحايين كثيرة أسئلة مصيرية، فاهتمامهم بالدين إنما هو نوع من السعي لتقويم حياتهم على أصل صحيح، وهو –أيضا- سعيٌ لجبر كسور وأخطاء وخطايا، وربما جرائم، في الماضي في حياة هذا أو هذه.. وقد أفادني بذلك كثيرٌ من الإخوة الأئمّة والمدرّسين والأخوات المرشدات… ما عزز تلك القناعة عندي، وهي أن الناس يريدون أن تستقيم حياتهم على أمر الدين والشرع، وأن الجهل كثيرٌ وكبير وعامّ، وأن الناس يبحثون عن التوبة من “شرور” كثيرة وكبيرة ويريدون معرفة كيفية العودة إلى الله، وهناك أسرار وعجائب وغرائب في حياة الناس وتفاصيل مفزعة…وكثيرون وكثيرات لديهم رغبة في الاستدراك قبل فوات الأوان، وذلك حقهم على كل حال، وسيبقى الإنسان إنسانا حتى تقوم الساعة: يخطىئ ويغشّ ويفجُر ويمكر ويخون ويفعل السيئات… ثم يبحث عن التوبة.
إن المسألة دقيقة ونحن نحتاج إلى تبيّن هذا الأمر وفهم هذا الاحتياج الإنساني العقلي والعاطفي والروحي، والمعرفة الدينية والإيمانية هي المعادل الموضوعي لكل تلك الحاجة الأكيدة والماسة إلى السؤال عن كثير من الشؤون.. بما يعني أن توفير الحدّ المناسب والجيّد من الثقافة الدينية ممثلة في المعلومات والمعارف والفتاوى والعلوم الشرعية، والإجابات عن التساؤلات الكبيرة والصغيرة، بالأخص ما لا يجوز أن يُجهَل من الدين بالضرورة.. إن هذه الحاجة إلى معرفة الدين ضرورة قائمة من الضرورات المستعجلة والأولويات التي لا تقبل التأجيل.
لذلك السبب، وهو كافٍ في حد ذاته، ولأسباب تتعلق بتيسير سبل التعريف بالإسلام وتعليمه، والتوجيه والإرشاد والمعرفة وكل ذلك يجسده مفهوم “الدعوة إلى الله”.
لذلك أدعو إلى اعتماد وقف إسلامي خيري يشترك فيه كل مصلح وخيّر، ويُنتدب له من أهل العلم والخبرة والكفاءة والصلاح والنزاهة ما يليق به وبمكانته وعظمته ودوره الكبير.
ومن أبسط ما يمكن البدءُ في تنفيذه إنشاءُ وقفٍ فضاء إعلامي متعدد الجوانب: سمعي، سمعي بصري، إلكتروني، ورقي… يكون شاملا ومتميزا ويهتم بتدبير الشأن الديني في الجزائر، ويوفر كل ما يجب من معارف وعلوم، بشكل مبسط ميسّر سهل المنال، باللغتين العربية والفرنسية ملبيا احتياجات الجزائريين والجزائريات، مجيبا عن تساؤلاتهم، ويكون في شكل فضاء مفتوح قوي متين، يشتمل على عدد من المحاور الرئيسة، يُراعى فيه سهولة الوصول إلى المعلومة الإيمانية، وتكون له جاذبية جمالية ملموسة، وفيه أيضا بساطة ووقار، يشتمل على عدد من المحاور الأساسية في شؤون الدين، وشؤون الدين والدنيا، بنك الفتاوى، الأسئلة، الإجابات، أركان الإسلام، نصائح توجيهات، كتب، مطويات، قرآن وحديث، لكل سؤال جواب، منابر النور، حقوق المسلم، واجبات المسلم، الخ…. يتولاه عددٌ من العلماء والأئمّة والدعاة في فريق متجانس متفاعل منفتح على أدوات العصر ولغاته، يثرونه بكل مفيد ونافع، في كل وقت، ويعرّفون به في دروسهم وخطبهم ويحيلون إليه لاستكمال الانتفاع خارج الدروس والخطب الجُمعية، يفيد الرجال والنساء، والشباب والشابات من المراهقين واليافعين، وحتى الأطفال، كل حسب مقتضاه ومستواه.
بالرغم من وجود صحافة “دينية” وإعلام ديني إلى حدّ ما في الجزائر، فإن السؤال الجدير بالطرح: هل يدخل كل ذلك: أي ما تقدمه القنوات والصحف على حد سواء في صلب التكوين الثقافي الديني الصحيح أم لا؟ وهل هو كاف للاستجابة لهذا الاحتياج الكبير المعبّر عنه بوضوح وصراحة؟. والجواب: لا، إنه لا يستجيب، ولا يحقق الإشباع الديني الإيماني اللازم.
أتصور أن عملا كهذا، وهو غير مكلف وغير صعب التحقيق، سيتحقق به خير كثير ونفع عظيم، وسيسدّ جزءا كبيرا من النقص الحاد الموجود؛ خاصة بوجود المعطيات التالية:
1- لدينا آلاف الأئمة والأساتذة والمدرّسين والدعاة في حاجة ماسة إلى الاستزادة من العلم والفقه والمعرفة، فيكون ذلك الصرح الإعلامي بمثابة فضاء مفتوح يزوّدهم بالخير والعلم، ويعلمهم ما يجهلون، ويكمّل نقصهم في أي جانب من جوانب الدين والإيمان.
2- لدينا ملايين المتعطشين والمتعطّشات إلى معرفة الدين وقواعده.
3- لدينا مئات إن لم أقل ألوفا من البارعين في تكنولوجيات الإعلام والاتصال.
4- لدينا ما لا يعدّ ولا يُحصى من أهل الخير والمال والفضل واليسر…
5-لدينا مئات من العلماء والدعاة والأئمة المقتدرين الذين يمثلون النخبة التي تستطيع التكوين والتعريف وترسيخ الدين الصحيح بمبادئه السليمة.
أفلا يمكن تدبير أمر ٍكهذا يُخرجنا من دائرة “الأمِّية الدينية” والجهل المركّب المشين بمبادئ وأصول وتفاصيل الخريطة الإيمانية التي نعاني منها ما نعاني؟ ولنا عودة إلى الموضوع بتفاصيل أكبر إن شاء الله.