إفريقيا بحاجة إلى 18 مليون معلم لحل مشاكلها في التعليم
يبلغ عدد سكان القارة الإفريقية 1.2 مليار نسمة، بحيث 75% منهم تحت سن 35 عاما، بما في ذلك 453 مليون نسمة تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاما. هذا الوضع يجعل إفريقيا تواجه تحديا كبيرا اليوم، لا يختلف عن تحدي التحرر من الاستعمار في الأمس، ويتمثل في ضمان التعليم الجيد لهؤلاء الشباب.
وللتعرف على ما حققه الاتحاد الإفريقي في التعليم، وكذلك التحديات التي تواجهها دول القارة في هذا المجال، أجرت “الشروق أونلاين” مقابلة مع السيدة سيمون يانكي واتارا، منسقة “المركز الدولي لتعليم الفتيات والنساء في إفريقيا”، وهو مؤسسة تابعة لمفوضية التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار في الاتحاد الإفريقي.
وسيكون التعليم في القارة الإفريقية الموضوعه المحوري لمنتدى الشباب الإفريقي الذي سيُعقد في وهران في الفترة من 1 إلى 4 نوفمبر.
اختار الاتحاد الإفريقي عام 2024 ليكون “عام التعليم”، بهدف تسريع التقدم نحو التعليم الجيد للجميع. ما هي العوامل الأساسية التي أدت إلى اختيار هذا الموضوع، وما النتائج الملموسة التي تأملون تحقيقها؟
في عام 2022، خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، تم تنظيم قمة دولية حول تحول التعليم، وذلك لمعالجة أزمة التعليم والشمول وجودة التعليم. وعلى هامش هذه القمة العالمية، عقد الاتحاد الإفريقي أيضا في نيويورك قمة إفريقية حول تحويل التعليم، حضرها العديد من رؤساء الدول، بالإضافة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي ومختلف وكالات الأمم المتحدة للتأكيد على أهمية التعليم.
ومن هنا بدأت المفاوضات لتخصيص عام 2024 ليكون عامًا للتعليم في القارة. وفي عام 2023، قرر رؤساء دول الاتحاد الإفريقي تخصيص هذا العام للتعليم، وبدأ العمل في هذا الإطار.
وفي عام 2024، أُطلق “عام التعليم” رسميا تحت شعار “تعليم إفريقيا للقرن الـ21 وبناء أنظمة تعليمية مرنة لزيادة الوصول إلى الجودة الشاملة مدى الحياة والتعلم ذي الصلة في إفريقيا”. هذا الشعار مدروس بعناية، ولا يقتصر على تخصيص عام للتعليم فحسب، بل يتعلق بتعزيز أنظمة تعليم مرنة. في الواقع، أثر فيروس كورونا (COVID-19) بشدة على أنظمة التعليم الإفريقية، مما أبرز الحاجة إلى الاستعداد بشكل أفضل للأوبئة المستقبلية. ويأخذ هذا الموضوع في الاعتبار التعلم مدى الحياة، تماشيًا مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة الذي يعزز التعلم الشامل.
ويُعنى الموضوع أيضا بجودة التعليم في إفريقيا، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الضعيفة، وخاصة الفتيات وذوي الاحتياجات الخاصة، لضمان استفادتهم من التعليم الجيد. وهكذا، تم جمع عدة مكونات في موضوع 2024، والنتائج المتوقعة موجودة في أهدافه ذاتها. نأمل أنه بحلول نهاية عام 2024، ستتبنى العديد من الدول الإفريقية هذا النهج. ومؤخرا، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد، خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة التي سُميت أيضا “قمة المستقبل” في سبتمبر، أنه لا ينبغي الاكتفاء بتخصيص عام واحد للتعليم، بل يجب تخصيص عقد كامل له.
نأمل أن يكون عام 2024 هو الخطوة الأولى، وأن تستمر الدول الإفريقية في إعطاء الأولوية الحقيقية للتعليم كل عام. والهدف، بحلول نهاية “رؤية إفريقيا 2063“، هو أن تصبح أنظمة التعليم الإفريقية قوية ومرنة وشاملة وخالية من التفاوتات بين مختلف السكان.
ما هي أبرز الصعوبات التي تواجه القارة الإفريقية في مجال التعليم؟
الصعوبات عديدة وتختلف من بلد لآخر، لأن إفريقيا قارة شاسعة ذات سياقات متنوعة وثقافات وموارد شديدة التنوع. وحتى داخل البلد الواحد، تتغير السياقات من منطقة لأخرى، ومن طبقة اجتماعية لأخرى، أو من مجموعة عرقية لأخرى. ومع ذلك، يمكن تحديد بعض الصعوبات المشتركة. على سبيل المثال، لا يزال الوصول إلى التعليم يشكل مشكلة في العديد من البلدان الإفريقية، خاصة تلك التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي.
هناك أيضًا التحدي المالي، حيث أن التعليم مُكلِفٌ وتمويله غير كاف في بعض البلدان التي تفتقر إلى ميزانية مناسبة له. وهناك صعوبة أخرى تتمثل في نقص البنية التحتية التعليمية. في بعض الأحيان، يعيش الأطفال بعيدا عن المدارس، مما يثبط عزيمة الأولياء والأطفال على حد سواء. بالإضافة إلى ذلك، هناك مشاكل اجتماعية وسياسية وعسكرية، لا سيما في دول الساحل حيث تعاني المدارس بسبب الإرهاب، وينعكس انعدام الأمن على إحجام الأسر عن إرسال أطفالها إلى المدارس.
كما يُعَد نقص المعلمين مشكلة كبيرة، حيث تشير التقديرات إلى الحاجة لما بين 15 و18 مليون معلم لتلبية الاحتياجات في إفريقيا. وتوجد أيضا تحديات مرتبطة بالتغذية: في بعض البلدان، غابت برامج التغذية المدرسية، مما يؤثر على قدرة الأطفال على التعلم. أما بالنسبة للفتيات، فيواجهن عقبات إضافية، مثل القيود الاجتماعية والثقافية، وعدم الحصول على الرعاية الصحية الإنجابية. ولا يزال الزواج المبكر وختان الإناث عائقين كبيرين أمام تعليم الفتيات في القارة. وعندما تُحرم الفتاة من التعليم بسبب الزواج المبكر أو الختان، تتضاءل فرص مواصلتها للتعلم. هذه القائمة ليست شاملة، حيث أن لكل بلد ومنطقة تحدياته الخاصة.
هل تمنع هذه الاختلافات بين البلدان الإفريقية من الاجتماع والتفكير في حلول مشتركة للتعليم وتنفيذها بشكل جماعي؟
بالطبع لا. يجتمع رؤساء الدول الإفريقية في قمم الإتحاد الإفريقي، بل وحتى خارجها. وكما ذكرت، تم دعوة رؤساء الدول مرة أخرى في سبتمبر الماضي أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، للاجتماع معا. وإلى جانب رؤساء الدول، يجتمع خبراء التعليم للتفكير في حلول مشتركة. تنظم مفوضية التعليم والعلوم والتكنولوجيا والابتكار في الاتحاد الإفريقي العديد من الأنشطة، غالبا بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية والمانحين. ويتم تناول كل موضوع من موضوعات الإستراتيجية القارية للتعليم في إفريقيا.

مقر الإتحاد الإفريقي، أديس أبابا. صورة: ماجيد صراح
في إطار عام 2024 المخصص للتعليم، على سبيل المثال، عُقدت اجتماعات لمناقشة كيفية حل مشكلة التعلم لدى الأطفال الأفارقة، الذين يواجهون اليوم صعوبات في الحساب أو القراءة. وتأتي الدول الإفريقية لتبادل الخبرات ومناقشة الحلول، مثل كيفية توفير المزيد من التمويل للتعليم أو تبادل أفضل الممارسات بين البلدان. ويمكن لكل دولة، على سبيل المثال، أن تعرض الاستراتيجيات المطبقة للتغلب على تحديات معينة. وبالتالي، فمثلا إذا كانت الجزائر قد طورت مقاربات محددة، فيمكن مشاركتها لإلهام الدول الأخرى.
في جويلية، قمتم بتنظيم أول مؤتمر إفريقي حول تعليم النساء والفتيات. ما هي توصيات هذا المؤتمر وكيف سيتم تنفيذها من قبل الدول الأعضاء؟
المؤتمر الإفريقي لتعليم الفتيات والنساء هو أول مؤتمر من نوعه ينظمه الاتحاد الإفريقي حول هذا الموضوع بعد 30 عامًا من انعقاد المؤتمر الأول في واغادوغو. وتماشيًا مع موضوع عام 2024، كان من الضروري تسليط الضوء على تعليم الفتيات والنساء. عُقد المؤتمر من 2 إلى 5 جويلية 2024 في أديس أبابا، بمقر مفوضية الاتحاد الإفريقي، وهو المقر الذي لديه رمزية عندنا. شهد هذا الحدث حضور حوالي 600 شخص بشكل حضوري وأكثر من 300 شخص عبر الإنترنت. تناول المؤتمر جميع العقبات التي تعترض تعليم الفتيات، بما في ذلك التحديات الاجتماعية والثقافية والتمويل، بالإضافة إلى قضايا مثل تغير المناخ، وبرامج التغذية المدرسية، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والسياسات التعليمية التي تراعي الفوارق بين الجنسين.
حضر المؤتمر عدد من وزراء التعليم ومسؤولي المساواة بين الجنسين، فضلا عن الزعماء التقليديين والدينيين من مختلف أنحاء إفريقيا، بالإضافة إلى الشباب الإفريقي وشركاء الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والصحافة.
في ختام المؤتمر، أُطلِق نداء للعمل يُركّز على تعزيز وصول الفتيات إلى التعليم الشامل والجيد، وتهيئة بيئات تعلم آمنة وخالية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، واعتماد سياسات تعليمية مراعية للفوارق بين الجنسين. كما أوصى المؤتمر بتبني حملة “Africa Educate Her” (بالعربية: “إفريقيا تُعلّم بنتها”). وحتى الآن، أطلقت أربع دول هذه الحملة، وساهم المؤتمر في توضيح أهمية هذا الالتزام. وبعد المؤتمر، تعهدت عشر دول بتبني الحملة. وهكذا، وبمناسبة اليوم العالمي للفتاة، الذي يصادف 11 أكتوبر، انضمت دولتان أخريان إلى الحملة.
نأمل أن يكون هذا النداء للعمل ذا تأثير دائم. نعمل أيضًا على جعل المؤتمر حدثًا يقام كل سنتين، ونأمل أنه اعتبارًا من عام 2025، ستُؤخذ توصيات المؤتمر في الاعتبار لتقييم تقدم تنفيذ موضوع عام 2024، وأن تكون الدول الأعضاء قادرة على إظهار إجراءاتها الملموسة.