-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

7 نقاط لفهم الأزمة في دول الساحل الإفريقي

ماجيد صراح
  • 2717
  • 0
7 نقاط لفهم الأزمة في دول الساحل الإفريقي
فرحات بودة / وكالة Vu.
جنود الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، قرب كيدال في مالي.

منذ بداية حركات التمرد في مالي عام 2011 ومعه تطور الحركات المسلحة والميليشيات، تأثرت كثيرا دول الساحل من انعكاسات تلك الأزمة. انعكاسات تجاوزت حدودها نحو مختلف الدول الأخرى في إفريقيا وشمالها، وكذلك أوربا.

غنية بالثروات الباطنية من ذهب، يورانيوم، وبترول لكن ذات مناخ وجغرافية صعبة، وشعوب فقيرة وأنظمة غير مستقرة. ما تسبب في استمرار الحرب تغذي الأزمات المحيطة في المنطقة وتتغذى منها.

الأزمة لا تزال إلى اليوم مستمرة ولو بحدة أقل من بدايتها، ولمواجهتها برزت مقاربتان: المقاربة الأمنية والمقاربة الشاملة التي تسعى لإحلال السلام وذلك بمعالجة جذور هذه الأزمة. وهي المقاربة التي تعتمدها الجزائر لحل هذه الأزمة.

الساحل الإفريقي، جغرافيا صعبة

لجغرافية المنطقة دور كبير في كل ما يحدث فيها. فالساحل الإفريقي هي تلك المنطقة التي تمتد من غرب إفريقيا إلى شرقها، وهو المرحلة الإنتقالية من الصحراء الكبرى شمالا إلى المنطقة الأكثر خصوبة جنوبا.

الساحل الإفريقي يشمل تلك الدول الممتدة على تلك المسافة من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر شرقا، فيقع في أجزاء من كل من : الجزائر، السنيغال، موريتانيا، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، نيجيريا، جنوب السودان، تشاد، السودان، الرأس الأخضر، جمهورية إفريقيا الوسطى، إيريتيريا وإثيوبيا.

وهي مساحة صحراوية شاسعة تمتد من الشرق إلى الغرب على طول 5900 كم، ومن الجنوب إلى الشمال بطول مئات إلى ألف كيلومتر، وتغطي ما مساحته 3.053 مليون كيلومتر مربع من الأراضي.

لا توجد أرقام دقيقة حول عدد سكان هذه المنطقة، لكن التقديرات تقول أن عدد سكان الساحل سيبلغ حوالي  117 مليون نسمة عام 2025، كي تبلغ بعد ذلك 208 مليونا مع عام 2050. سكان الساحل في الغالب يمتهنون الزراعة والرعي، ويتكونون من عديد الإثنيات.

بين ثراء الأمس وفقر اليوم

بين القرنين التاسع والثامن عشر، وبفضل الموقع الإستراتيجي لمنطقة الساحل قامت عليها ممالك سيطرت على طرق التجارة خصوصا بين العالم الإسلامي والصحراء.

إضافة لتحكمها في الطرق التجارية، فقد ساهم استخراج الذهب والملح من ثراء ممالك هذه المنطقة. فمثلا سيطرت مملكة مالي  (حوالي 1230 – 1600) على مناطق من مالي، غينيا، السينيغال، غامبيا، بوركينافاسو وموريتانيا. مملكة مالي كانت من بين أغنى الممالك في ذلك الوقت.

من 1885 إلى 1914 تعرضت القارة بأكملها لما يسمى بـ”التدافع على إفريقيا” أو “السباق إلى إفريقيا”، وهو غزو واحتلال واستعمار وضم الأراضي الإفريقية من طرف القوى الأوربية، بحثا عنها مصادر للمواد الأولية وأسواق لتصريف منتجاتها.

فاستعمرت فرنسا في دول الساحل كلا من السينيغال، بوركينافاسو، النيجر، مالي، تشاد، وموريطانيا. استعمار أتاح لها نهب واستغلال ثروات هذه البلدان أثناء فترة الإحتلال، وتحويلها لمناطق نفوذ بعد استقلال هذه البلدان.

أبرز التحديات في الساحل

لعل من أبرز ما يجعل هذه المنطقة منطقة ساخنة لا تتوقف فيها النزاعات، هي أسباب جغرافية تتمثل في شساعتها، واقتصادية تتمثل في فقر هذه الدول التي تكونها، وأسباب مناخية، إضافة إلى أسباب بشرية مرتبطة بسكانها.

فتعد ديموغرافيا هذه الدول من بين أبرز الأسباب التي تجعلها منطقة غير مستقرة، فتعرف زيادة معتبرة في الولادات والسكان ما يجعلها قنبلة ديموغرافية، فيبلغ معدل الإنجاب مثلا في النيجر 6.8 مولود للمرأة الواحدة. إضافة إلى عامل تعدد الإثنيات العرقية فيها ما يصعب قيام بناء هذه الدول خاصة على صعيد الوحدة الوطنية. فحتى بعد استقلالها، لم تعرف بعد الوحدة الوطنية، ولا يزال النظام القبلي هو السائد فيها.

أيضا عامل المناخ هو من العوامل المؤثرة سلبا في هذه المنطقة. فمناخها استوائي شبه جاف، وهو حار، مشمس وعاصف، ما يصعب الحياة. الإحتباس الحراري بدوره يضرب هذه المنطقة بقوة، فترتفع درجات الحرارة كما يصيب الجفاف المنطقة كما حدث في 2010.

ظروف مناخية إضافة لتسببها في مجاعات، تتسبب أيضا في التصحر وتقليص الأراضي الخضراء وندرة في منابع المياه مما يتحول إلى منافسة بين الرعاة والمزارعين حولها، خصوصا وأن الزراعة والرعي في هذه المنطقة يمارسان بطرق تقليدية وحتى بدائية لا تستخدم التقنيات الحديثة.

تسبب العجز الزراعي والجفاف والعنف وارتفاع الأسعار مخاوف من حدوث أزمة غذائية كارثية بشكل خاص في النيجر. في نيامي، في 28 مارس، امرأة تحاول الإستمرار في أداء مهامها اليومية رغم كل شيء. © عمر أورر / وكالة الأناضول عبر وكالة فرانس برس

كما يتسبب المناخ أيضا في هجرة عديد السكان وذلك لانعدام إمكانية استمرار النشاطات البشرية فيها، هجرات قد تكون بين دول الساحل نفسها أو نحو شمال إفريقيا سواء كمنطقة عبور نحو أوربا أو حتى كمنطقة استقرار.

لمواجهة هذا، تعجز حكومات هذه الدول على توفير الإمكانيات لذلك وذلك بسبب عدم توفرها على الإمكانيات المادية، فتعد من كل من النيجر، تشاد وبوركينافاسو من بين أفقر الدول في العالم.

فيبلغ مثلا الناتج المحلي الإجمالي لدولة النيجر، الواقعة في قلب الساحل، حسب معطيات البنك الدولي لعام 2021 ما مقداره 14.92 مليار دولار. مع نسبة فقر (أقل من دولار واحد يوميا) تجاوزت 50 بالمئة عام 2018.

شساعة مساحة هذه المنطقة الصحراوية الممتدة على طول 5900 كيلومترا، جعل أيضا حكومات دولها لا تسطيع بسط سيطرتها على كل المناطق. مناطق كثيرا ما تقع تحت سيطرة ونفوذ مجموعات مسلحة.

لكن باطن المنطقة يحتوي كذلك على موارد طبيعية هامة كالذهب، اليورانيوم، الغاز، البترول، الفوسفات، النحاس ما يجعلها منطقة استراجية، تحولت لمنطقة صراع حول النفوذ للمستعمرين القدماء مع منافسين جدد وهم الصين وروسيا، وتبادل التهم بين هذه الأطراف بنهب ثروات هذه البلدان الإفريقية وارتكاب انتهاكات في حق السكان.

العنف والنزاعات المسلحة

يصعب تقديم أرقام حول النزاعات في القارة الإفريقية، لكن الباحثين يقدمون رقم 630 نزاعا مسلحا يجعل القارة تعيش عنفا منظما منذ 30 سنة.

وهي نزاعات تعرف ارتفاعا في العدد لكن كذلك في النمط والحدة خصوصا منذ 2010. كما تعرف أيضا إضافة للمجموعات التي تحارب الحكومات، زيادة النزاعات خارج سلطة الدولة بين المجموعات المسلحة والميليشيات فيما بينها.

وتعرف منطقة الساحل عديد النزاعات المسلحة، وهي مثل غيرها من النزاعات في القارة الإفريقية، سواء كانت نزاعات قديمة تستمر أو نزاعات جديدة برزت مؤخرا. تغذيها ما ذكرناه سابقا من تحديات تواجه هذه المنطقة، بالإضافة إلى اللاإستقرار السياسي والإنقلابات العسكرية الذي تعرفها دول غرب إفريقيا بالخصوص.

فوقعت محاولة انقلاب فاشلة على عمر سيسوكو امبالو في غينيا بيساو الفاتح من فيفري 2022، وقبلها انقلاب في بوركينافاسو في 23 جانفي 2022 أطاح بالرئيس روش مارك كريستيان كابوري الذي اعتقله الانقلابيون. وفي عام أكتوبر 2021 قام الجيش في السودان بانقلاب على الحكومة المدنية واعتقل رئيس وزراء الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك الكناني.

وفي غينيا، قام انقلابيون من الجيش بالإطاحة بالرئيس ألفا كوندي في سبتمبر 2021 وتعليق العمل بالدستور وغلق الحدود. وفي ماي من ذات العام قام الجيش باعتقال كل من الرئيس المالي آنذاك باه نداو، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع.

إلى هذه الإنقلابات تضاف الآن أزمة مسلحة في السودان منذ أفريل 2023، وقبلها الحرب في ليبيا منذ عام 2011 إلى غاية توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020. حرب عرفت تدخلا عسكريا من طرف الناتو. الحرب التي عززت اللاإستقرار خصوصا بسبب الكميات الكبيرة من السلاح التي انتشرت.

التنظيمات المسلحة

مستغلة الفراغ الأمني وعدم قدرة الحكومة المالية على توفير تغطية أمنية لكل أراضيها، تشكلت عديد التنظيمات المسلحة في شمال مالي مع بداية العشرية الأولى لعام 2000.

فتأسست عديد الميليشيات والمجموعات المسلحة خصوصا شمال مالي، ومنها حتى من أعلن ولاءه فيما بعد لتنظيم داعش ومنها من أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة.

في 2012 انطلقت الحرب في مالي وذلك بتمرد للمجموعات المسلحة في شمال مالي ضد حكومة باماكو، أهمها “حركة أنصار الدين” وهي الحركة التي تأسست عام 2011، و”الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، وهي حركة تطالب بانفصال إقليم أزواد شمال مالي، والتي تأسست كذلك عام 2011.

مقاتلون من جماعات مسلحة مجتمعون خارج مقرهم في مدينة ميناكا في 21 نوفمبر 2020. في أكتوبر ذات العام، المجموعات المسلحة أطلقت عملية مشتركة تسمى  “ميناكا دون أسلحة”، وتهدف العملية إلى خفض عدد الأسلحة المتداولة في مدينة ميناكا وما حولها وهي تقع بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. صورة سليمان أغ أنارا / فرانس برس.

هذه المجموعات المسلحة لم تكن مقتصرة فقط على مالي بل تجاوزتها إلى البلدان الأخرى، كما عرفت أيضا إنشاء مجموعات مسلحة أخرى. منها : القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في 2007، حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا في 2011، أنصار الإسلام في 2016، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في 2017.

وإضافة لهذه المجموعات الموجودة في الساحل، ظهرت هناك مجموعات مسلحة أخرى في باقي الدول، مثل بوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال.

وبفضل التكنولوجيا التي سهلت صناعة الأسلحة والمتفجرات، كذلك التواصل بين هذه المجموعات المسلحة والترويج لعملياتها، ارتفعت العمليات الجهادية في الساحل الإفريقي من 500 هجمة عام 2010 إلى أكثر من ألف هجمة عام 2020، مع ارتفاع في استخدام العبوات الناسفة.

المقاربة الأمنية

قامت فرنسا بالتدخل عسكريا وذلك بطلب من السلطات المالية آنذاك. العملية العسكرية الفرنسية انطلقت في 12 جانفي 2013 وهي العملية المسماة “عملية سرفال”.

“عملية سرفال” تكونت من قوة من فرنسا ومالي، مدعومة من طرف دول : ألمانيا، بلجيكا، دانمرك، الإمارات، كندا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

في 2014 تم إنهاء “عملية سرفال” وتعويضها بـ”عملية برخان”، وهي العملية التي انطلقت في الفاتح من أوت 2014، والتي تهدف لمكافحة التمرد في الساحل الإفريقي. فالعملية العسكرية التي قادتها فرنسا، امتدت لدول بوركينا فاسو، تشاد، مالي، موريتانيا والنيجر. وهي الدول المكونة لما يعرف بـ”مجموعة دول الساحل الخمسة”، وهي تكتل تم تشكيله في فيفري 2014 بموريتانيا يهدف للتنسيق فيما بين هذه الدول في المجال الأمني إضافة للتنمية.

مجموعة انسحبت منها مالي في ماي 2022 متهمة إياها “بعدم إحراز تلك القوة العسكرية، أية تقدم في القتال” و “فقدان استقلاليتها في القرار“.

بعد 8 سنوات من النشاط، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نهاية “عملية برخان” يوم 9 نوفمبر 2022. وقبلها في جويلية 2022، تم إنهاء عمليات “فرقة تاكوبا”، وهي مجموعة من القوات الخاصة الأوربية في الساحل تعمل تحت القيادة الفرنسية كجزء من “عملية برخان”.

 في فيفري 2023، أعلنت السلطات في بوركينافاسو عن نهاية “عملية السيف” التي تقودها فرنسا، وعن مغادرة القوات الفرنسية البلاد.

تقليص للتواجد الأمني الفرنسي في المنطقة قابله ترحيب سواء من طرف السلطات في هذه البلدان وحتى عند المواطنين.

مقاربة شاملة لإيجاد الحلول

مما تسبب في تراجع شعبية فرنسا في المنطقة ووصفها بالقيام بـ”ممارسات نيوكولونيالية”، هو ترديد وزرائها “لا حوار مع الإرهاب“، وهذا في كل تعليق حول المفاوضات بين السلطات المالية والمجموعات المسلحة التي تسيطر على أجزاء من مالي.

فالمجموعات المسلحة في منطقة الساحل مكونة من أبناء تلك المناطق. وهي مجموعات رفعت السلاح لأسباب مختلفة منها ما هو متعلق بوضعيتها الإقتصادية الهشة، وكانت تعمل على تسيير المناطق التي سيطرت عليها، متعايشة مع السكان. هذا حتى ولو لا تزال دائما تفرض سلطتها باستخدام العنف، خصوصا على القرى التي تقاومها.

الرئيس المالي، إبراهيم بوبكر كيتا (يسار)، يحتضن محمدو دجيري مايغا (يمين)، نائب الرئيس والمتحدث باسم المجلس الانتقالي لدولة أزواد، في 20 جوان 2015 في باماكو بعد توقيع اتفاقايات عقب اتقاقيات الجزائر في 15 ماي 2015. حبيبو كوياتي / فرانس برس

السلطات المالية من جانبها، وإن كانت لمدة ترفض الحديث عن الحوار مع هذه المجموعات، أصبحت تريد الحوار معها. فقامت مالي عام 2017 بتنظيم مؤتمر الوفاق الوطني والذي اجتمعت فيه كل مكونات المجتمع المالي وذلك لتحقيق السلم والوحدة الوطنية.

مؤتمر جمع اتفاق السلم والمصالحة الذي تم توقيعه في الجزائر في 1 مارس 2015، بوساطة وإشراف من الجزائر.

وقد وقع الإتفاق كل من حكومة مالي إضافة إلى الحركة العربية للأزواد، التنسيقية من أجل شعب الأزواد، تنسيقية الحركات والجبهات القومية للمقاومة، الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، المجلس الأعلى للأزواد.

ومما نص عليه الإتفاق : احترام الوحدة الوطنية، احترام سيادة القانون، إلغاء العنف وإعادة تنظيم القوات المسلحة والأمن.

ونظرا لحدودها الكبيرة مع بلدان منطقة الساحل، فتتبنى الجزائر مقاربة تقوم على تفكيك الأزمة في المنطقة عبر الديبلوماسية السلمية والبحث عن التوافق بين الأطراف المتصارعة، وذلك في الإطار الأممي والإتحاد الإفريقي.

كذلك تعتبر أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي، لذلك تقترح مقاربة شاملة لإيجاد الحلول تقوم أيضا على التنمية الإقتصادية والبشرية في المنطقة، وهذا مع احترام سيادة الدول ودون التدخل في شؤونها وقراراتها الداخلية.

وهو ما أشاد به مجلس الأمن في قراره رقم S/RES/2649/2022 بشأن الوضع في مالي في أوت 2022. فكتب : “أشاد مجلس الأمن بالدور الذي تلعبه الجزائر والأعضاء الآخرون في فريق الوساطة الدولية بقيادة الجزائر لمساعدة الأطراف المالية على تنفيذ اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!