إنهاء حرابة وبداية حرب
اتفاق الهدنة بين المتحاربين في سورية الذي دخل حيز التنفيذ مساء يوم العيد المبارك، هو الثاني الذي يصدر عن المتصارعين بالأصالة في النزاع السوري: الولايات المتحدة وروسيا، وقد احترمته حتى الآن القوات المقاتلة بالوكالة: النظام والقوات الإيرانية وحزب الله من جهة، وطيف من المجاميع المسلحة استثني منها تنظيمَا “الدولة” و”النصرة”.
قرار الهدنة الذي لم يُشرك في صياغته الوكلاء، سارع النظام السوري إلى التصديق عليه بسرعة، فيما أظهرت المعارضة السورية بعضا من الامتعاض الكاذب الذي لا يغيِّر من الأمر شيئا مادامت لا تملك قوة مؤثرة على الأرض، فيما سكتت بقية الإطراف: إيران وحزب الله، حتى وإن كان اتفاق التهدئة قد وجّه ضربة لهذين الطرفين المستنزَفين، ومنح المشهد السوري صورة واضحة لا غبار عليها، تؤكد من بات يتحكّم في السيادة السورية، ومن هو صاحب القرار في تمديد عمر النزاع أو في إنهائه.
وأوّل توضيح في الصورة: أن النظام السوري لا يملك اليوم سلطة إنهاء الحرب أو تسعيرها إلا بما يشاء الأخ الروسي الكبير، كما لم تعد المبادرة بيد الحليفين من الإقليم: إيران وحزب الله، ولا بيد الفصائل المعارِضة وحلفائها الأتراك والسعوديين والقطريين، وقد وُضعوا جميعهم في خانة “الجندي المقاتل بالوكالة” المؤتمَر بأوامر الخصمين الأصيلين: الولايات المتحدة وروسيا، كما اُستبعدت الأمم المتحدة ووضع مبعوثها دي ميستورا على الهامش إلى حين استدعائه لأداء رقصة البطن في جنيف الثالثة الأخرى المتوقعة في بداية أكتوبر المقبل.
وعلى خلاف ما قد يتوهّم بعضُهم، فإن الاتفاق ليس غايته فرض هدنة، الجميع يعلم أنها لن تعمِّر طويلا، مادام الموقعان على الهدنة قد استثنيا الأطراف الماسكة بالأرض وبالسلاح، لكنه يمهِّد لتسويق توافق أمريكي روسي على نقل النزاع السوري من حربٍ أهلية بين النظام والمعارضة، إلى ساحةٍ لشراكة عسكرية أمريكية روسية للقضاء على “داعش”، وقد تقاطعت مصالحهما عند هذا الهدف دون التفاتٍ إلى ما قد يلحق بالمدن السورية والعراقية وأهلها من “أضرار جانبية”.
كل طرف يكون قد تراجع بخطوة إلى الخلف، في تنازل مرحلي مؤقت يتيح فرصة تجميع القوة، وتحشيد المقاتلين بالوكالة لإخراج تنظيم “الدولة” من لعبة الأمم الدائرة في المنطقة؛ فقد تراجع الروس عن مبدإ اعتبار جميع الفصائل المسلحة كيانات إرهابية، وصرفوا النظر عن التدخّل العسكري التركي شمال سورية وبداية بناء منطقة عازلة، ومن جهتهم سكت الأمريكيون عن مطلب ترحيل الأسد، ورضوا مؤقتا بتأجيل مشروع بناء كيان كردي بالشمال السوري إلى حين، وربما يكون الطرفان قد أجَّلا مشروع التقسيم الذي كان مطروحا على الطاولة.
نجاح التوافق الروسي الأمريكي لن يتقرر بمقدار صمود الهدنة التي لها سقفٌ زمني محدود، بقدر ما سيلتفت كل طرف إلى مقدار انصياع المقاتلين بالوكالة إلى الطاعة، والدخول في شراكة لمقاتلة “داعش” و”النصرة” تحت الرعاية السامية للطيران الروسي الأمريكي، مع تفويض الأخوين الكبيرين في تدبير مستقبل سورية إلى ما بعد استئصال التنظيمين، وقتها فقط قد يُلتفت إلى طلبات المقاتلين بالوكالة، كل حسب الحاجة والمصلحة التي يقرِّرها الأخ الكبير للوكيل الصغير، وعلى مقدار ما يقدّم من الدماء في الحرب التي تبدأ مع إنهاء الحرابة.