-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إيران تحارب بالرياضيات أيضا

إيران تحارب بالرياضيات أيضا

من منكم سمع عن المسألة العكسية (Inverse Problem) في الرياضيات؟..  هي في الحقيقة واحدة من أكثر المواضيع حيوية وتعقيداً تحديداً في الرياضيات التطبيقية والفيزياء.. وهي باختصار عملية «الاستنساخ من النتائج للوصول إلى الأسباب».

لفهمها بعمق، يجب موازنتها مع المسألة المباشرة (Forward Problem):

1- الفرق بين المسألة المباشرة والعكسية: المسألة المباشرة، يكون لدينا «السبب» والقانون الفيزيائي، ونريد حساب «النتيجة». مثلا: إذا أعطيتك كمية من الدقيق والزبدة والسكر وقلت لك حضِّر لي كعكة.. أما المسألة العكسية، أقدِّم لك كعكة، وأطلب منك تحضير كعكة مثلها.

2- التوصيف الرياضي: تمثل المسألة المباشرة عادة بدالة أو مؤثر A يعمل على نموذج x ليعطي بيانات y » أي Ax=y. أما في المسألة العكسية، نحن نبحث عن x بمعلومية y: أي x=y/A .

3- التحديات الرياضية (معضلة «هادامارد»: للحصول على حل صحيح رياضيا، وضع العالم جاك هادامارد، ثلاثة شروط أساسية للمسألة  «المصاغة جيدا أو المطروحة جيدا»: ا- الوجود: أن يكون للمسألة حل. ب- الوحدانية: أن يكون للمسألة حل وحيد وفريد (ليس هناك سببان مختلفان يعطيان النتيجة نفسها). ج- الاستقرار:  أي أن التغيرات الطفيفة في البيانات (الضوضاء)، لا تؤدي إلى تغييرات هائلة في الحل.

والمسائل العكسية غالبا ما تكون  «سيئة الصياغة»، خاصة في شرط الاستقرار، ففي الحسابات الرقمية، أي خطأ قياس بسيط في y قد يجعل x ينهار تماما.

4- تطبيقات عملية مذهلة: تعتمد حياتنا الحديثة على «المسألة العكسية» من دون أن نشعر: فالتصوير الطبي (CT Scan /MRI)، إذ أن الجهاز يقيس امتصاص الأشعة من زوايا مختلفة، وعلى الرياضيات حل هذه المسألة العكسية لإعادة بناء صورة الأعضاء الداخلية (السبب).  كما تستعمل في الاستكشاف النفطي من طرف مهندسي الجيولوجيا والجيوفيزياء، إذ ترسل موجات صوتية لباطن الأرض وتلتقط الإرتدادات، ثم نحلُّ المسألة العكسية برسم خريطة للطبقات الجيولوجية. وأيضا تستعمل في علم الفلك، لاستنتاج مكوِّنات كوكب بعيد أو ثقب أسود من خلال الضوء أو الإشعاع الواصل إلينا منه.

5- كيف يقوم الرياضيون بحل المسألة العكسية؟ بما أنها مسائل غير مستقرة، نستخدم تقينات «التنظيم Regularization»، مثل تنظيم تيخونوف. الفكرة هي إضافة معلومات مسبقة أو «قيود» على الحل لمنعه من العشوائية، إذ نوازن بين دقة مطابقة البيانات ومنطقية الحل.

ومنذ الهجوم الثنائي الأمريكي- الصهيوني على إيران، والطريقة التي واجهت بها إيران هذا العدوان يرى العديد من الخبراء في الرياضيات التطبيقية بأن إيران تستعمل المسألة العكسية بكل كفاءة وتحكم دقيق.

والمسألة العكسية هي سلاح سيبراني وعسكري فتاك في حروب القرن الحادي والعشرين، فعندما نتحدث عن استخدام إيران لهذه التقنية في مواجهة الترسانة التكنولوجية الأمريكية والصهيونية، فهنا نتحدث عن ثلاثة مستويات إستراتيجية:

1- الهندسة العكسية (Reverse Engineering)، وهذا هو التطبيق المباشر والمشهور للمسألة العكسية. العملية تبدأ من «المنتج النهائي» مثلا طائرة مسيَّرة أو صاروخ، والنتيجة هي الوصول إلى «التصميم والمبادئ الفيزيائية» التي بني عليه ذلك الشيء. أي استنتاج الخوارزميات، والرادارات، والمواد المكونة. وأشهر مثال، ما حدث مع الطائرة الأمريكية  RQ-170 Sentinel التي سيطرت عليها إيران في عام 2011، إذ فككت «خوارزميات التحكم» (النتيجة) لفهم كيف يفكر المهندس الأمريكي (السبب)، مما نتج عنه سلسلة مسيَّرات «شاهد» و«صاعقة».

2- التخفي والتمويه الرياضي: في أنظمة الرادار، يجري إرسال موجة (إشارة الدخول) واستقبال الصدى (إشارة الخروج). الرادار يحل «مسألة عكسية» ليعرف موقع الطائرة وشكلها. وأحسن مثال هنا، أن إيران تعمل على تصعيب المسألة العكسية على العدو من خلال استخدام مواد تمتص الموجات أو تصاميم هندسية تجعل ناتج المعادلة الرياضية للرادار «غير مستقر». وعندما تكون المسألة العكسية غير مستقرة، يرى الرادار «ضجيجا» أو «أهدافا وهمية» بدلا من الهدف الحقيقي.

3- الحرب الإلكترونية: في اعتراض الصواريخ، تعتمد «القبة الحديدية» أو «الباتريوت» على التنبؤ بمسار الصاروخ بناءً على معطيات الرادار الحالي. في حين تعتمد التقنية الإيرانية في الصواريخ فرط صوتية مثل «فتاح» على تغيير المسار العشوائي. مما يجعل «المسألة العكسية» التي يحاول حاسوب دفاع الجوي للعدو حلها مستحيلة رياضيًّا، لأن المعطيات تتغير بسرعة تفوق قدرة الخوارزمية على الوصل لحل وحيد ومستقر.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تعدُّ «المسألة العكسية» سر قوة إيران العسكرية؟ لأنها ببساطة تسمح لمن يمتلك «عقولا رياضية» فذة بسد الفجوة التكنولوجية مع من يمتلك ميزانيات ضخمة مثل الولايات المتحدة. والقاعدة الرياضية هنا: إذا كان العدو يمتلك نظاما معقدا أقصد (المسألة المباشرة)، فأنت الذي لا تملك ترسانته، لا تحتاج لبناء نظام مثله، بل تحتاج فقط لفهم «المشغِّل العكسي Inverse Operator» لهذا النظام لتعطيله أو تقليده.

هذا التحليل يفسر لماذا يركز الأكاديميون الإيرانيون بشكل مكثف على فروع الرياضيات التطبيقية والمعالجة الرقمية للإشارات، فهي «العقل» الذي يدير الصراع التقني. وهنا أضع إصبعي على جوهر التفوُّق التكنولوجي الحديث الذي يغيِّر موازين القوى، فنحن هنا لا نتحدث عن «كتلة حديدية» تسقط من السماء «الصاروخ الباليستي»، بل عن «حاسوب طائر» يعالج المعادلات الرياضية في أجزاء من الثانية.

وإستخدام «المسألة العكسية» في صواريخ كروز والمسيَّرات الذكية الإيرانية مثل «باوة» أو النسخ المتطورة من «شاهد»، يمثل نقلة من «التوجيه التقليدي» إلى «التوجيه الإستنتاجي». وإليك أيها القاري الكريم، كيف تطبَّق هذه النظرية  رياضيا داخل رأس الصاروخ الذكي:

1- تخطي الرادارات، إذ يعتمد الرادار على إرسال موجات واستقبال ارتدادها ليحل مسألة عكسية تحدد موقع الصاروخ، فالصواريخ الذكية الحديثة تستخدم خوارزميات «المسألة العكسية للموجات»، لعمل كالآتي : ا- التكيف اللحظي، فالصاروخ يقبس الموجات الرادارية الساقطة عليه، ويحل المسألة العكسية ليعرف  «خصائص الرادار» الذي يراقبه. ب- توليد إشارة مضادة، بناءً على الحل، يقوم الصاروخ بتوليد إشارة ارتداد «معدَّلة» تجعل الرادار يحل مسألته العكسية بشكل خاطئ، فيرى الصاروخ في مكان آخر أو لا يراه مطلقا.

2- الملاحة بالرؤية (Vision-based Navigation): في حالة انقطاع الـ”جي بي أس” بالتشويش، يستخدم الصاروخ الكاميرات، ففي المسألة المباشرة يجري التقاط صورة الأرض. أما في المسألة العكسية، فيقوم باستنتاج «الإحداثيات الجغرافية» والارتفاع من صورة ثنائية الأبعاد المشوشة.

والخوارزميات الإيرانية التي يثني عليها جل خبراء العالم، بارعة في حل «مسألة إعادة البناء» (Reconstruction Problem)، إذ يستطيع الصاروخ مطابقة تضاريس الأرض مع الخرائط المخزَّنة لديه حتى في ظروف الإضاءة السيئة أو الدخان، وهو تطبيقٌ كلاسيكي للمسألة العكسية.

3- التعرف الذكي على الأهداف (Automatic Target Recognition – ATR)، هنا يكمن «الذكاء» الحقيقي؛ فالصاروخ عندما يقترب من الهدف مثل مصفاة نفط أو منظومة دفاعية، لا يكتفي بالتوجه للإحداثيات، بل يحل مسألة  «تصنيف الأنماط العكسية»، أي يحلل «التوقيع الحراري» أو «الشكل الهندسي» للهدف ليتأكد أنه الهدف الصحيح وليس «هدفا وهميا». وقدرة الصاروخ الإيراني على «تجاوز الخداع» يعني أنه يمتلك خوارزمية تنظيم قوية جدا تفصل بين الضجيج أو الخداع والحقيقة أو الهدف.

ولماذا يركز الخبراء على هذا الجانب؟ لأن بكل موضوعية إيران استثمرت لعقود في الرياضيات التطبيقية ومعالجة الإشارات وجامعتها الكبرى مثل جامعة شريف للتكنولوجيا. وهؤلاء الخبراء يدركون أن القوة ليست في «حجم المتفجرات»، بل في «دقة الحل الرياضي» الذي يجعل الصاروخ يتخذ قرارات «مستقلة» أثناء الطيران لتجنب الاعتراض.

وهذا ما يفسِّر فشل المنظومات الدفاعية  الأمريكية الموجودة في دول الخليج، وأيضا المكدَّسة في الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة، في اعتراض الصواريخ الإيرانية؛ فالدفاع الجوي يبرمَج لمواجهة مسار فيزيائي متوقع بينما الصاروخ الذكي يطير بناءً على «خوارزمية عكسية» تجعل حركته غير متوقعة حسابيا بالنسبة للعدو.

في اعتراض الصواريخ، تعتمد «القبة الحديدية» أو «الباتريوت» على التنبؤ بمسار الصاروخ بناءً على معطيات الرادار الحالي. في حين تعتمد التقنية الإيرانية في الصواريخ فرط صوتية مثل «فتاح» على تغيير المسار العشوائي. مما يجعل «المسألة العكسية» التي يحاول حاسوب دفاع الجوي للعدو حلها مستحيلة رياضيًّا، لأن المعطيات تتغير بسرعة تفوق قدرة الخوارزمية على الوصل لحل وحيد ومستقر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!