إيران والسعودية: خدعة الفاتيكان الإسلامي
إن نظرية الجنون التي رفعها وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر بدأت تنتشر في العالم الإسلامي وجرى تبنيها تحديدا في العلاقات بين إيران والسعودية، في الحرب الإعلامية والفقهية والسياسية والتكفير المتبادل، فإيران تعتبر حكام السعوديين “مارقين”، ومفتي السعودية يعتبر الإيرانيين “كفارا”.
نظرية كيسنجر تقوم على فكرة أن في البيت الأبيض حكاما مجانين وبإمكانهم استخدام كل أنواع الأسلحة بما فيها النووية لتحقيق النصر ضد خصمهم الشيوعي وهو الإتحاد السوفييتي، والهدف من هذا التخويف والترهيب هو حمل السوفيات على التراجع على تنفيذ بعض القرارات واتخاذ بعض السياسيات المناسبة لأمريكا.
هذه السياسة التي شهدتها فترة الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، بدأت تتجسد في العالم الإسلامي، وتحديدا في العلاقات بين طهران والرياض؛ فبعيدا عن سياسة التشييع وتصدير الثورة التي اعتمدتها إيران لسنوات والتي حققت عدة أهداف تتجسد بشكل واضح في بسط النفوذ الإيراني سياسيا والشيعي مذهبيا على العراق ولبنان وسوريا وحتى اليمن، ثم التهديد ببسط النفوذ في البحرين والكويت وحتى في السعودية، انتقلت طهران إلى سياسة أخرى تستهدف من خلفها المملكة العربية السعودية من خلال العمل على استنساخ تجربة “الفاتيكان” وتطبيقها على مكة والمدينة، حيث تدعو طهران الدولَ الإسلامية إلى التكتل ضد السعودية لكي يسحبوا منها حق تنظيم شعائر الحج والعمرة ونزع صفة خادم الحرمين الشريفين عن العاهل السعودي.
وواضح أن الحرب السياسية والإعلامية التي تشنها إيران ضد السعودية بلغت أوجها مؤخرا، مستغلة الانتصارات التكتيكية أحيانا والإستراتيجية أحيانا أخرى التي حققتها في العراق وسوريا واليمن وفي ملفها النووي، حيث راحت طهران تتهجّم بشكل رسمي على قادة المملكة وتطالب بشكل رسمي بتحويل مكة والمدينة إلى “فاتيكان إسلامي”.
بتاريخ 5 سبتمبر الجاري وفي مطلع 10 الأوائل من ذي الحجة التي تعدُّ أعمال الخير فيها أفضل الأعمال عند الله طبقا للسنة النبوية الشريفة، والتي كان ينبغي استغلالها لطيِّ الخلافات والصلح بين المسلمين حتى بين طهران والرياض، بادر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية خامنائي إلى التحامل على حكام السعودية بقوله: (على العالم الإسلامي سواء الحكومات أو الشعوب المسلمة أن يعرفوا حكام السعودية ويدركوا بنحو صحيح حقيقتهم الهتاكة غير المؤمنة التابعة المادية)، ثم دعا المسلمين إلى (أن يفكروا تفكيرا جادا بحلٍّ لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج بسبب سلوكهم الظالم ضد ضيوف الرحمان).
وواضحٌ أن إيران ومنذ الحج الماضي، أي منذ سبتمبر 2015، وهي تعمل على استغلال حالة الوفاة المأساوية التي أدَّت إلى قضاء نحو 3 آلاف حاج في التدافع بمنى والتي خلفت أزيد من 400 وفاة في صفوف الحجاج الإيرانيين، للمطالبة بإشراف دولي على الحج والعمرة.
والحقيقة أن هذه القضية هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للسعودية؛ فالمكانة التي تحتلها السعودية في العالم اليوم ليست بسبب البترول التي تنتج منه ما لا يقلّ عن 10 ملايين برميل يوميا والذي مكّنها من تحقيق نهضة مادية وبشرية، بل بفضل إشرافها وإدارتها للحرمين الشريفين مكة والمدينة وإشرافها على تنظيم شؤون الحج والعمرة وخدمة الحجاج. وأن أيِّ مساسٍ بهذا، يعني إنهاء دولة أو ضربها في مقتل. وكل من إيران والسعودية وكل دول العالم يعرفون هذا ويدركونه بشكل جيدا، ومنه فإن الاصطفاف حول إيران أو حول السعودية هو اصطفافٌ سياسي وليس دينياً، والموقف الإيراني هو موقفٌ سياسي وليس حبا لا في الحجاج ولا في المشاعر الدينية.
والأحرى بإيران أن تصفي حساباتها التاريخية والسياسية مع السعودية على طريقة ملفها النووي وأن لا تستثمر فيما يزيد في تشتيت المسلمين وتقسيمهم أحزابا وشِيعا لكل منهم أميرٌ للمؤمنين ومنبر ومرجع ديني.
ولأن السعوديين يدركون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم، لم يتردد مفتي المملكة العربية السعودية في الرد على خامنائي يوم 6 سبتمبر الجاري، بقوله (إن تصريحات خامنائي أمرٌ مستغرب.. ويجب أن نفهم أن هؤلاء ليسوا مسلمين، فهم أبناء المجوس، وعداؤهم مع المسلمين أمرٌ قديم وتحديدا مع أهل السنة والجماعة).
يحقّ التخوف من سياسات إسقاط وتفتيت وتقسيم وتشتيت جميع الدول العربية، لأن الانتماء للحضارة العربية الإسلامية هو انتماءٌ حضاري وليس انتماءً عرقيا. فماذا نستفيد من تحويل مكة والمدينة إلى فاتيكان أخرى؟ ولو حدث ذلك، سيتقاتل المسلمون شيعة وسنة ومن لا انتماء له على من يكون (بابا المسلمين).
إن جميع من زار مكة والمدينة وأدى مشاعر الحج أو العمرة يكون قد شاهد الخدمات الجليلة التي قام بها السعوديون للحرمين الشريفين، وليس المجال لذكرها، وبدون شك فإن هناك نقائصَ كبيرة أيضا يجب تداركها، وهناك فعلا تداركٌ للكثير من النقائص كتنظيم رمي الجمرات وإنشاء قطار المشاعر والأنفاق وغيرها، لكن يجب أن لا تتحوّل تلك النقائص إلى سياسة تفتيت أخرى لدول وشعوب العالم الإسلامي.
إن حكام السعودية كغيرهم من حكام العالم الإسلامي لديهم الكثير من العيوب، وليسوا لا أحسن ولا أسوأ من حكام إيران، ولا ينبغي لا لهذا ولا لذاك أن يجعل من شعيرة الحج العظيمة وسيلة للتفرقة والفتنة وتحقيق المكاسب السياسية.
هل ينبغي التذكير بالدور السلبي الذي لعبته كل من دول الخليج وإيران في تحطيم الدولتين العربيتين الكبيرتين العراق وسوريا؟ وهل ينبغي التذكير أيضا بالدور السلبي الذي تلعبه إيران داخل البحرين واليمن والكويت وحتى داخل السعودية لإحلال الفوضى والفتنة والتفرقة بسياسة التشييع؟
إن الشعوب الإسلامية ترى وتفهم وتدرك وتتألم، ولا تريد تحويل مكة والمدينة إلى (قم) أو (النجف) تحت مسمى (فاتيكان إسلامي) وهي الخدعة التي تختفي وراءها إيران لتركيع السعودية وهي أهمّ دولة عربية حاليا في منطقة الخليج بعد تحطيم العراق وسوريا واليمن ليخلو الجو تماماً لدولة إيران سواء أكانت فارسية أو نفت عن نفسها هذا الطرح.
هل ينبغي التذكير بالدور السلبي الذي لعبته كل من دول الخليج وإيران في تحطيم الدولتين العربيتين الكبيرتين العراق وسوريا؟ وهل ينبغي التذكير أيضا بالدور السلبي الذي تلعبه إيران داخل البحرين واليمن والكويت وحتى داخل السعودية لإحلال الفوضى والفتنة والتفرقة بسياسة التشييع؟
ومن خلال هذا الطرح يحقّ التخوف من سياسات إسقاط وتفتيت وتقسيم وتشتيت جميع الدول العربية، لأن الانتماء للحضارة العربية الإسلامية هو انتماءٌ حضاري وليس انتماءً عرقيا. فماذا نستفيد من تحويل مكة والمدينة إلى فاتيكان أخرى؟ ولو حدث ذلك، سيتقاتل المسلمون شيعة وسنة ومن لا انتماء له على من يكون (بابا المسلمين).