إيقاف الانهيار..
دوما تتحرك جماهير أمتنا لإيقاف الإنهيار متى أتيحت لها الفرصة.. دوما هي أمتنا الحريصة على الوحدة والمقاومة والكرامة.. هكذا كانت في الجزائر عندما أخمدت نيران الشرّ وأخرجت الجزائر من مكائد الشياطين.. وهاهو السودان يسجل انتصارنا الثاني.. لقد كانت نتائج استفتاء أهالي دارفور في السودان رسالة حقيقية كبيرة للعالم كله أنه في ظل الأمن واهتمام الدولة بالمصالحة وتمكين قاعدتها التحتية، فإن الشعب لن يقبل عن الوحدة بديلا.. ولم تكن هناك رسالة أبلغ للأمريكان الذين كانوا يتابعون العملية بأرق وتدخّل مشين من أن تأتيهم رسالة واضحة من أهل دارفور بأن الفشل كان حليف سلاح إسرائيل وأجهزة أمنها، التي وصلت إلى أيدي منظّمات الانفصال مثل شركاتها الأمنية التي تقوم بالتخريب بين القبائل المنتشِرة في دارفور.
ومن جديد، تعلو قيمة الحكمة والتصالح الداخلي وتظهر فوائدها لتبرز الأسباب التي مهّدت للشحناء والتناحر، إنها أسباب واهية لا قيمة لها استثمر فيها العدو، ومن جديد ندرك قيمة مخزوننا الثقافي والحضاري القائم على الدفع بالتي هي أحسن وإتباع السيئة بالحسنة لتمحوها والتذكير بإصلاح ذات البين والحض على القيام بواجب المصالحة بين أخوة الوطن وأخوة الدين، وهكذا تشيع بين الناس روحُ التسامح ليطووا بذلك صفحة مأساوية من تاريخ بلدهم.
الاستفتاء قال بلسان عربي مبين إنه لا انفصال لدارفور عن السودان ولكم تمنى الأمريكان والإنجليز أن يذهب أهل دارفور بإقليمهم بعيدا ليكونوا الدولة الثانية بعد الجنوب التي تنفصل عن السودان وليلحق بها شرق السودان وإقليم كردوفان، بمعنى أن يصبح السودان خمس دول يزرع بينها الكراهية والبغضاء.. وفي كل من هذه الأقاليم جمر من صراع بين القبائل أشدّ ضراوة عما كان بينها وبين المركز.. والمخطط بهذه الصورة يتجه إلى إفقاد السودان دوره العربي الإفريقي وإضاعة الفرصة على العرب بأن يكون لهم سلة غذاء استراتيجية، إذ لن يكون هناك استثمار في ظل التصارع والحروب فيفقد العرب شرطا أساسيا لمستقبل آمن لهم.
خرج أهل دارفور المسلمون المتدينون حفظة القرآن ليقولوا بنسبة فاقت التوقع إنهم يريدون أن تكون الخرطوم عاصمتهم وأن يكونوا ولايات كما هي ولايات الوطن كله.. كانت وقفة أهل دارفور انتقالا نفسيا ضروريا لبناء وطن بروح الأخوة والمحبة والتصالح ستفيد كثيرا في التماسك الاجتماعي داخل كل ولاية وستضع ركائز البناء الحقيقي لدولة تمتلك شساعة أرض وتعدّد ثورات وتنوّع إمكانيات تكفي تماما لبناء دولة عصرية برفاه حقيقي غير مؤقت.. وهذا جميعه من شأنه أن يجذب المال ومشاريع الاستثمار ويحقق الفرصة للعرب جميعا ليؤسسوا على ضفاف النيل مشاريع استراتيجية لأمنهم القومي.
لقد أوقف السودانيون الانهيار فلا انفصال بعد الآن.. ولقد قدم لنا السودانيون درسا مهما يضاف إلى درس الجزائر العظيم في المصالحة الوطنية والوئام الذي طوى سنوات الموت الأسود.. لن ينفصل الإقليم الكردي عن العراق، ولن ينفصل الإقليم الشيعي عن العراق، ولن تنفصل جبال اللاذقية العلوية عن سورية، ولن تنفصل أي محاولة مريضة مهما دفع بها العدوّ.. لأن المصالحة والتسامح والتوافق والحوار والأمن والاستقرار هي منظومة القيم والأخلاق والسلوك الذي ينبغي ألا يكون سواه داخل مجتمعاتنا.. تولانا الله برحمته.