ابني طبيب!
غالبية الذين ذرفوا الدموع ومعدلاتهم تفوق الـ14 من عشرين في البكالوريا، هم من الذين يرغبون في دخول كلية الطب أو الصيدلة أو جراحة الأسنان، هؤلاء حوّلوا يوم فرحهم الأكبر بنجاحهم، إلى غمّ ونكد، ومنهم من قرّر عدم الالتحاق بالجامعة وإعادة السنة وامتحان البكالوريا، حتى يحقق المعدل الذي يحلم به، ويُدخله جنة الطب التي تبقى حلم الكثير من العائلات الجزائرية التي تتفاخر بالابن الطبيب، وقبل ذلك الابن المنتمي إلى كلية الطب.
إلى زمن ليس ببعيد، كانت كلِّيات الطب مفتوحة لكل ناجح في شعبة العلوم، حتى الذين كانوا ينجحون في البكالوريا بالإنقاذ، أي بمعدلات دون العشرة من عشرين، بإمكانهم دخول الجذع المشترك بيولوجيا أو بيو طبي، كما كان الحال سابقا، وبعدها يختار معهد الطب أو الصيدلة أو البيطرة أو جراحة الأسنان، فكان دخول كلية الطب أمرا يسيرا لمن ينجح في البكالوريا، ولكن التخرج بشهادة طبيب، قد يتطلب أكثر من عشر سنوات، بسبب صعوبة الدراسة والمدرّسين وجميعهم أطباء استشفائيون متمرّسون.
ومرّت عقودٌ وظهرت جامعات وكليات وحتى علوم جديدة، ومع ذلك بقي الطب هو الهدف الأول وحلم الجميع، والدليل على ذلك طوفان الدموع التي ذُرفت في يوم الإعلان عن النتائج، والتي ستُذرف أيضا، يوم يعلَن عن التوجيهات الجامعية، عندما يتبخّر الطب من اختيارات الكثير من الطلبة والطالبات.
الطب هو مهنة شريفة، تحترم ممتهنيها كلُّ الأمم، وقد لاحظنا قيمتها في أيام جائحة كورونا بين من سمّى الأطباء “الجيوش البيضاء” و”ملائكة الأرض” و”صنّاع الصحة”، ويقال إن الأمريكيين الذين مازالوا ينتظرون إلى حد الآن رئيسا يحكمهم، يكون طبيبا، قد انتخبوا في سنة 1912 “وودرو ويلسن” رئيسا للولايات المتحدة، ظنا منهم بأنه طبيب، وعندما علموا بعد تسلمه الحكم، بأنه يمتلك دكتوراه في العلوم السياسية وليس في الطب، طلبوا منه التنحّي من منصبه.
الجزائر في حاجة إلى تشكيل علمي يقودها إلى التطور المأمول، والعائلة الجزائرية في حاجة إلى تلاحم وتآزر من أجل إنجاح رسالتها، والطبيب هو عنصر مهم في هذه الفسيفساء، ولكنه لا يعني شيئا، من دون بقية العناصر.
تقوم عائلات جزائرية من عشقها لمهنة الطب والتشبث بالحلم الكبير، بإرسال أبنائها إلى بلدان بعيدة، ومنها روسيا أو الأردن للدراسة بمعدلات متدنية في البكالوريا، والهدف الوحيد هو ضخّ طبيب للعائلة، يُفتخر به أوَّلا، وبعدها يمكن الاستعانة به في تطبيب هذا، وتشخيص مرض ذاك أو تحرير وصفة طبية لتلك.
في السنوات الأخيرة كسرت وزارة التعليم العالي بالتعاون مع وزارة الصحة، سيطرة المدن الكبرى على كليات الطب، فظهرت فروعٌ في مدن صغيرة وصحراوية، ستنجب مع مرور الوقت مستشفيات جامعية، لأجل أن تكون دراسة الطب في كل مكان، لكن إنزال المعدل إلى ما تحت 16 من عشرين، غير وارد إطلاقا، ما دام الطب هو حلم الجميع، ولو فتحوا الأبواب لكل ناجح لارتمى قرابة نصف مليون ناجح في البكالوريا في بحر الطب الهادئ.