اختراع “الأوهام”!
تعامُل الجزائريين، مع “المُكمّل الغذائي” المسمّى “رحمة ربي”، الذي يقول صاحبه، بأنه يُشفي الإنسانية من مرض السكّري، أبان مدى الضياع الذي بلغته البلاد بقمّتها وقاعدتها، وأيضا النخر الذي أصاب الجسور الرابطة بينهما، فعندما تحذّر وزارة التجارة من منتوج محلي مرّ عبر مخابر محلية، وملأ أسواقها وصيدلياتها، وتعاطاه عشرات الآلاف من المرضى، فالسؤال المحيّر هو أين كانت هذه الوزارة طوال سنة كاملة من حديث الباحث “المخترع” ووزير الصحة والصحافة والأطباء المحذرين من هذا “الدواء”، وعندما يعود وزير الصحة ليقول بأن المنتوج مجرّد مكمّل غذائي وليس دواء، فلماذا تبنّى القضية منذ بدايتها وهي لا تعني وزارة الصحة؟
وأكيد أن هذا الباحث، والإعلام الذي تناول القضية بمختلف زوايا الطرح بين الانتقاد والمباركة واللا حدث، غير ملومين، لأن الأمر يهمّ وزارة الصحة التي لديها ميزانية عكس كل ميزانيات الدولة الخاصة بقانون المالية 2017، فعرفت الارتفاع، وبلغت قرابة الأربع مئة مليار دينار، ووزارة تجارة قاربت ميزانيتها العشرين مليار دينار جزائري، وهي أرقام فلكية من المفروض أن تساهم في التعامل مع القضايا الكبرى، فما بالك بحكاية دواء أو خلطة وصفها بعض المرضى بالمعجزة، وسماها أطباء مختصون بالشعوذة.
ومازالت وزارتا الصحة والتجارة حائرتين في تسميتها، وأحيانا متعمدتين، كل منهما يرمي الكرة في ميدان الآخر، بالرغم من أن الأمر يعني صحة ما لا يقل عن أربعة ملايين مصاب بداء السكري، وضعفهم من أهلهم وأقاربهم.
من حق أي مواطن أن يجتهد ويطمح لمقارعة كبار العالم، ومثل هاته الأبحاث أو المحاولات موجودة في كل بقاع العالم، خاصة النامي منه، فالهنود “يخترعون” يوميا أدوية السرطان والإيدز، وينجحون أحيانا في تسويقه إلى البلاد المجاورة مع أفلامهم الراقصة، ولكن وزارة الصحة الهندية لا تتوانى عن إطلاق التحذيرات والتبرؤ من هذا الدواء أو ذاك، ومن حق الصحافة أن تتابع مثل هذه الأحداث، وتفتح صفحاتها بعد ذلك للمختصين، فالصحافي غير مطالب وغير مُتمكّن أصلا من دخول المخبر لتحليل هذه الخلطة أو تلك، لكن القرار يبقى في أيدي هاته الوزارات المتخمة بالأموال وبالخبراء وبالمخابر لتنوير المواطنين، كما فعلت وزارة التجارة “متأخرة”، حيث وجد بيانها، صدى لدى كل وسائل الإعلام ولدى الصيادلة والمرضى.
الصمت المُطبق والتردّد في إبداء الرأي حول بعض القضايا، مرده أمران لا ثالث لهما، إما ضعف القائمين على هاته الوزارة أو تلك، أو لا مبالاتهما بأمر يهمّ صحة المواطنين، ومصير الأمة في التعامل مع الاختراع أو الدجل، وهو أمر خطير لأن الوزارة التي تعجز عن ردّ الفعل هي بالتأكيد فاقدة للقدرة على الفعل، والمواطن الذي يشعر بعجز مسؤوليه عن منح الضوء الأخضر أو الأحمر لخلطة صحية تسوّق في صيدليات، أصحابها من خريجي معاهد الطب الجزائرية، سيفقد الثقة نهائيا في القائمين على أحواله، وسيبقى كل بحث أو اختراع يظهر في الجزائر من دون ثواب، وأي دجل أو شعوذة من دون عقاب!